شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام "ابن حزم" يرد على د."محمد عبد المقصود" (1-2)

عصام حسنين • المنهج السلفي

قال ابن المنذر -رحمه الله-: "والذي عليه عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله إذا أريد ظلمًا، لقوله -عليه السلام-: ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) (متفق عليه) ، ولم يخص وقتًا دون وقت، ولا حالاً دون حال، إلا السلطان، فإن كل مَن نحفظ عنهم من علماء الحديث، كالمجمعين على أن مَن لم يمكنه أن يدفع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته، ألا يفعل؛ للآثار التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وترك القيام عليهم" (شرح صحيح البخاري لابن بطال) .

قال ابن بطال -رحمه الله-: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء... ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليه" (المصدر السابق) . ( تنبيه: نحن لا نصف رئيس الجمهورية بأنه سلطان متغلب، وإنما ننكر هذا الكلام).

ويقول ابن كثير -رحمه الله- معلقًا على وقعة الحرة: "وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشًا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام, وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد، وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يُحد ولا يوصف مما لا يعلمه إلا الله -عز وجل-!

وقد أراد بإرسال مسلم توطيد سلطانه وملكه ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) ... وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْملح فِي المَاء ) (متفق عليه) ، وعن السائب بن خلاد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللهُ وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله مَن ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخلال وغيره، وانتصر لها ابن الجوزي في مصنف مفرد وجوَّز لعنه.

ومنع من ذلك آخرون، وصنفوا فيه أيضًا؛ لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا: إنه كان مع ذلك إمامًا فاسقًا، والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه؛ لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا" (البداية والنهاية لابن كثير، بتصرف) .

وللحديث بقية -إن شاء الله- لبيان العلة في هذا الحكم عند العلماء "وهي منع سفك الدماء، ومنع الفساد" وهي موجودة في صورتنا المعاصرة، مع افتراق حكم رئيس الجمهورية عن السلطان والإمام.

الصفحة السابقة