شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام "ابن حزم" يرد على د."محمد عبد المقصود" (1-2)

عصام حسنين • المنهج السلفي

قال ابن قدامة -رحمه الله-: "وإن خاف الإمام على الفئة العادلة الضعف عنهم، أخَّر قتالهم إلى أن تمكنه القوة عليهم; لأنه لا يؤمن الاصطلام والاستئصال، فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل، ثم يقاتلهم، وإن سألوه أن ينظرهم أبدًا، ويدعهم وما هم عليه، ويكفوا عن المسلمين، نظرت، فإن لم يعلم قوته عليهم، وخاف قهرهم له إن قاتلهم، تركهم، وإن قوي عليهم، لم يجز إقرارهم على ذلك; لأنه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الإمام، ولا تؤمن قوة شوكتهم، بحيث يفضي إلى قهر الإمام العادل ومَن معه، ثم إن أمكن دفعهم بدون القتل لم يجز قتلهم; لأن المقصود دفعهم لا قتلهم; ولأن المقصود إذا حصل بدون القتل، لم يجز القتل من غير حاجة" (المغني 12/ 75) .

وأما قوله: "وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سلَّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولم ييأسوا من الظفر, ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون -لقلتهم وضعفهم- بظفر كانوا في سعة مِن ترك التغيير باليد".

قلتُ: والحق أن كل عاقل يعلم أن المصادمة للشرطة والجيش مع كونها لا يرجى معها الظفر، بل إنهم ينتظرون القتل والحبس، وغرق المجتمع بما لا يرجى معه تطبيق الشرع!

وقد أنكر عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إدخاله الخوارج والمعتزلة في خلاف أهل الفقه، فقال في نقده لمراتب الإجماع: "قلتُ: قد ذكر هو أنه لا يذكر إلا خلاف أهل الفقه والحديث دون المعتزلة والخوارج والرافضة ونحوهم، فلا معنى لإدخال الزيدية في الخلاف".

- وأما ما ذكر من تغيير المنكر باليد فضابطه ألا يترتب عليه منكر أكبر منه، ولا يتعدى فيه الضرر إلى الآخرين، وإن كان لا يزول إلا بشهر سلاح فلابد من إذن السلطان.

قال النووي -رحمه الله-: "قال القاضي عياض -رحمه الله-: هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغيِّر أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر مَن يفعله، وينزع الغُصُوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى.

ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته إذا أمِن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيَّره لكون جانبه محميًّا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه كفَّ يده واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غيَّر بقلبه وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث -إن شاء الله تعالى-، وإن وجد مَن يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤدِّ ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى مَن له الأمر إن كان المنكر من غيره أو يقتصر على تغييره بقلبه، هذا هو فقه المسألة وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين؛ خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال وإن قتل ونيل منه كل أذى! هذا آخر كلام القاضي -رحمه الله-.

قال إمام الحرمين رحمه الله: ويسوغ لآحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال وشهر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك ربط الأمر بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه وغشمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول؛ فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب، هذا كلام إمام الحرمين، وهذا الذي ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه" (شرح النووي على مسلم 2/ 26) .

قال د."عبد المقصود": "ففرض أننا قمنا وأنكرنا وستغرق السفينة، ففرق بين أن تغرق وقد أدينا ما علينا وبين أن تغرق وقد قصرنا! ما دون السلاح فهو سلمية! وأفتي بحرق سيارات الشرطة ومنازل الضباط، وهذا من الردع! وهذا من الجهاد، ومن مات فهو شهيد!".

وكان المآل الهجوم على كمائن الجيش، وقتل وحرق هنا وهناك!

اتقِ الله يا شيخ عبد المقصود!

والسؤال: هذا الحرق لمنازلهم -بناءً على قولك- هل لأنهم بغاة يجب قتالهم مع الإمام العادل أم أنهم كفار فيكون قتالهم من جنس آخر؟

ثم بالله عليكم أين هو هذا الإمام العادل؟ وأين مَن معه من جموع المسلمين الذين معهم الشوكة والسلاح؟ وأين الصفان المتصافان للقتال؟

حتى وإن قلتَ بكفر الجيش والشرطة؛ فلا يكون القتال الذي يؤدي لاستئصال المسلمين مشروعًا كالمسلمين في القدس اليوم! فكيف وهم مسلمون -بحمد الله-؟!

ثم أقول لتحالف دعم الشرعية: يجب استنكار هذا الكلام، فإنه ورطة تضاف إلى ورطات كثيرة لن تأتي على البلاد والعباد وعليكم إلا بمزيدٍ من المفاسد.

وأقول للإخوان: يجب استنكار هذا الكلام، وإلا فهو تثبيت للتهمة عليكم هنا وهناك، ولما قرأناه من تاريخ "التنظيم الخاص" الذراع "العسكرية" لجماعة الإخوان!

وحتى لا أطيل، أقول للدكتور "عبد المقصود" -ومَن يقول بقوله-: سل الجماعة الإسلامية عندما كانت تغير باليد في أوائل التسعينيات ماذا حدث؟! وماذا كنتَ أنتَ تقول لهم وعنهم؟!

ثم هذا الذي ذكره ابن حزم -رحمه الله- من القيام على الأئمة إذا فسقوا أو جاروا، هو إذا كانت لديهم القدرة على ذلك؛ وإلا فإنه قال: "فهم في سعة مِن ترك التغيير باليد"، فقد أنكره غيره من العلماء، وسبب إنكارهم ما يؤول به إنكارهم إلى سفك الدماء واضطراب الأمور.

الصفحة السابقة الصفحة التالية