مناقشات في التمذهب (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
لكَن ما شعر الناس إلا وصوت جهير ينطلق مِن الأرض المباركة، من رُبى دمشق الشام، يُعْلِنُ على رؤوس الأَشهاد: فساد التعصب المذهبي، وغلط المقلدة، وتغليط الدعوة إلى سدِّ باب الاجتهاد، وأَن حقيقة ذلك نسخ للشريعة، والصيحة في وجوه دعاة التعصب المذهبي، وأَنه بدعة حادثة بعد القرون الفاضلة، وأَن قول مَن قال بوجوب تقليد فقيه في دين الله لاَ يُخْرَجُ عن قوله إلى الدليل، ولا إلى غيره مِن المجتهدين: ضلال عظيم، وبدعة في المسلمين، وأَن الواجب هو الطواعية لله، ودينه، وشرعه، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا غير، إلى آخر تلك الحقائق الِإيمانية، والدعوات الشرعية، فقال في ذلك وخطب، وكاتب وكتب، وأَنكر على الفَعَلةِ، واستنكر، ونصح وأَرشد؛ ذلكم هو شيخ الإسلام "أَبو العباس تقي الدِّين أَحمد بن عبد الحليم بن تيمية النميري الحراني ثم الدمشقي"، المولود سنة (661 هـ) والمتوفَّى سنة (728 هـ) -رحمه الله تعالى-؛ فأثرت دعوته الإصلاحية هذه، وهَيَّأَ الله له أعوانًا وتلاميذ، في غرتهم: شمس الدِّين أَبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ) -رحمه الله تعالى- تلميذه، وصاحب التصانيف المفيدة، فكان لهذين الإمامين مِن المباحثات الدقيقة ما تقر به عيون الذين يؤثرون طاعة الله ورسوله، وطاعة أهل العلم والهدى على أهل التعصب والهوى، ثم استمرت هذه المدرسة الأَثرية المباركة، تسير في كل ناحية، ويظهر لها في كل عصر عالم وداعية، حتى أَخذ ظِلُّ هذه المحنة يتقلص، وغشاوته تنجلي، وَآلت الدعوة إلى التقليد، والحَجْرِ على العقول، والصَّدِّ عن الدليل في زاوية يأباها الله ورسوله والمؤمنون، وَمَا يَسْكنُ إِليها إلَّا متجرئ على الِإثم، متحمل آثام من يقلده في بدعته.
هذه إِلمامة مختصرة عما كان عليه أمر الناس، وما حدث بعد مِن التمذهب، ثم انشقاقهم فيه إلى فريقين؛ إلا بقايا مِن أهل العلم كانوا على ما كان عليه الأَئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- حتى عصر الخلفاء الأَربعة -رضي الله عنهم- اكتسبوا، لَقَب: "أَهل الحديث" (4) ؛ هذا اللقب المنيف الذي كان مِن قَبْلُ لِشُيُوْخ القرون المفضلة، ثم قيام ورثتهم في القرن الثامن الهجري بإِحياء مآثرهم، ودلالة الناس على مدرستهم، تترسم خُطى النبوة والرسالة، ومدارج الصحابة، وَقَفْوَ التابعين لهم بإحسان في الخُطُوَات الآتية... ) انتهى .
ثم شرع الدكتور "بكر أبو زيد" في ذكر معالم عشرة لمنهج ابن تيمية -رحمه الله- في بيان قضية الاتباع وضبط التمذهب بها نتناولها في المقالة القادمة -باذن الله-.
(1) قال الدكتور "بكر أبو زيد" في الهامش: السِّير للذهبي 18/ 507، والظاهر مِن قول الهروي أنه يريد مِن حيث نصرة السُّنة ومكاسرة الإمام أحمد -رحمه الله- للمبتدعة، فيكون إذن واقعًا موقعه.
(2) يَرد الدكتور "بكر أبو زيد" على هؤلاء المغالين في أئمتهم بأنهم لو أنصفوا لاتبعوا كلام الإمام مالك "ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر" وأَشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
(3) ومما قال العلامة "الشنقيطي" في هذا الموضع المشار إليه: "وَاعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الْمُنْصِفُ، أَنَّ مِنْ أَشْنَعِ الْبَاطِلِ وَأَعْظَمِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ عَلَى اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَعَلَى النَّبِيِّ وَسُنَّتِهِ الْمُطَهَّرَةِ، مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الصَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَآلِ عِمْرَانَ، وَاغْتَرَّ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ خَلْقٌ لَا يُحْصَى مِنَ الْمُتَسَمِّينَ بِاسْمِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ; لِكَوْنِهِمْ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ" انتهى .
ولعل في هذا ما يدلك على مدى شيوع هذه الانحرافات؛ ذلك أن البعض قد يظن أن هذه الانحرافات كانت أخطاءً ثانوية ضخَّمها بعض متأخري مدرسة أصحاب الحديث -سنتحدث عنها في التعليق التالي إن شاء الله-، ولكن النقول التي أوردها الدكتور "بكر أبو زيد"، والقصص التي لا تُحصى التي ذكرها المؤرخون لا يمكن اعتبارها حالات فردية، ولا يمكن بحال أن تقارَن الأخطاء التي يقع فيها بعض الجهال أو الصغار في كثير مِن الكيانات والأنشطة بخطأ يقع فيه علماء كبار يشار إليهم بالبنان، ويتتابع عليه طلبتهم على مدى أزمان.
وثمة كارثة أخرى هي فرع على هذه، وقد بيَّنها العلامة "الشنقيطي" حيث قال بعد كلامه السابق: "وَسَبَبُ تِلْكَ الدَّعْوَى الشَّنِيعَةِ عَلَى ظَوَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، هُوَ عَدَمُ مَعْرِفَةِ مُدَّعِيهَا. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْعُظْمَى، وَالطَّامَّةِ الْكُبْرَى، زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ فَهْمٌ، أَنَّ ظَوَاهِرَ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثَهَا غَيْرُ لَائِقَةٍ بِاللَّهِ، لِأَنَّ ظَوَاهِرَهَا الْمُتَبَادِرَةَ مِنْهَا هُوَ تَشْبِيهُ صِفَاتِ اللَّهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ".
ومِن هنا تعلم مدى الارتباط الوثيق بين بدعة التقليد وبين سائر البدع؛ لأن بدعة التقليد تضعف سلطان النص في القلوب وتعظم آراء الرجال فتسهل المخالفة، والتقليد له دور في كل أنواع الانحرافات إما بطريقة مباشرة أو على الأقل بأنها تمنع مِن ابتلي بالبدعة والانحراف مِن الرجوع عنها؛ إذ أن كل طائفة تعظم علماءها ومنظـِّريها، ولا يمكنك أن تدعو أحدًا إلى ترك بدعة عقدية أو عملية إلا بأن تدعوه إلى خلع ربقة التقليد حتى تستطيع دعوته إلى الحق، وذلك كان هذا هو حجر الزاوية في كل الدعوات الإصلاحية، حتى حركة "الغزالي" -رحمه الله- في محاربة الباطنية والفلاسفة كان عنوانها البرهان وذم التقليد، ويا ليته استكمل المسيرة فيما يتعلق بعلم الكلام، ولكن هذا لم يتم له إلا على فراش الموت.
والحركة التجديدية لشيخ الإسلام "ابن تيمية" كان محاربة التقليد هو أهم مبادئها مع كونه منتسبًا انتسابًا عامًّا لمذهب الحنابلة.
وحركة شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" كان مِن أهم ما نادت به ترك التقليد، ومِن خلاله اجتثت بدع القبورية.