شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في التمذهب (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

وكان الشيخ وتلامذته حنابلة في الفروع، ولكن كانت طريقتهم في تدريس الفقه ليست فقط بعيدة عن التعصب، ولكنها أقرب إلى طرق المتقدمين منها إلى طرق المتأخرين، وسنخصص لها مقالة مستقلة في هذه السلسلة -بإذن الله-.

والصحوة الإسلامية المعاصرة ما استطاعت أن تواجه الغزو الفكري والتغريب وأصحاب مدرسة تتبع الرخص وأصحاب المناهج البدعية، بل ولم تتمكن مِن محاصرة بدع الغلو في التكفير وغيرها إلا مِن خلال محاربة التقليد؛ وبدون محاربة ذلك الداء يبقى كلٌ يكرر أقوالاً متبوعة، ولا يمكن قط أن تقنع أحدًا بحجةٍ أو تنقذ متلبسًا ببدعة إلا إذا أقنعتَ خصمك بالتحاكم إلى الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة، بل وتحتاج إلى أن تقيم له الحجة مِن القرآن على حجية السُّنة، ثم تقيم له الحجة منهما على حجية لزوم منهج السلف، ثم تبيِّن له منهج السلف واتباعهم في المسألة المتنازع فيها.

وبعد أن مَنَّ الله على الصحوة الإسلامية بشيوع قضية تعظيم الدليل حتى صار جمهور الناس يطلبون ممن يفتيهم أن يذكر دليله وحتى أصبح الكثيرون منهم يدرك بقليل مِن الجهد والبيان مدارك الأدلة؛ فإذا بنا نفاجئ ببعض مَن ينتسب إلى السُّنة يريد إحياء التقليد المذموم والتعصب المذهبي، وقد نبَّه عليهم الدكتور "بكر أبو زيد" في كتابه "التعالم" فقال: "ومِن أقبح تناقضهم -والحمد لله على عصرٍ زادُ التناقضِ فيه نافقٌ- أن يتعلق بالسُّنة وعلومها متعلـِّق، وهو عاضٌ على نواقضها: من الخَلْفية في الاعتقاد، والعصبية المذهبية ونصب العِداء للسلفيين، وحرْبٍ عوانٍ على السلفية".

(بالطبع يوجد مَن ينتسب إلى السُّنة وينتسب إلى المذاهب بطريقة سُنية، والتعميم مرفوض، وآفة كثير مِن المناقشات أن مَن يختلف معك في مسألة يظن أنك لا يمكن أن تكتب نقدًا إلا وهو موجه إليه، وأنا أؤكد بالذات في هذه الجزئية لحساسيتها؛ أن هذا الوصف متوجه إلى فئة خلفية الاعتقاد متعصبة لمذاهبهم الفقهية، وإن كان وجودهم ورواج سوقهم وانتساب بعضهم للسلفية كما يصف الدكتور بكر أبو زيد يؤكد أن على السلفيين لا سيما إذا أرادوا الانتفاع بشيء مما عند هذه المدارس أن يحذروا غاية الحذر، ولا يمنوا أنفسهم بأن الأمور على ما يرام).

فائدة: مع أنها ليست صلب الموضوع و لكنها لطيفة طُرحت؛ فأردت أن أنبِّه عليها وهي:

هل بيْن "المذهبية" وبيْن "العمل الجماعي" تشابه؟

بالتأكيد نعم يوجد تشابه في أن كلاً منهما وُجدت في تنظيره وفي ممارسته أخطاء مِن كثير ممن يقول بهما، كما أن البعض قد عمم هذه الأخطاء فمنع مِن كل الصور!

وقد تناظرت الأخطاء؛ فالقول بوجوب اتباع مذهب معين والذي بلغ إلى حد اعتبار الآخرين في حكم أهل الذمة يقابله في العمل الجماعي قول الجماعات الغالية التي تزعم نفسها جماعة المسلمين!

والمبالغة في الانتصار للمذهب وتحقير مَن عداه مِن المذاهب يقابله قول بعض الجماعات أنها الجماعة الأم!

ولا يدخل في الأخطاء محبة المتمذهب السني لإمامه مع حبه لسائر الأئمة، ومع رفع شعار: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"، وما يقابلها في العمل الجماعي، وهي مما يجب احتماله طالما بقي في هذا الإطار.

وقد قام علماء السنة بنقد مظاهر الانحراف في القضيتين.

وممن بالغ في نقد مظاهر الانحراف في هاتين القضيتين العلامة "الألباني" -رحمه الله-، والذي بالغ في محاربة التعصب المذهبي حتى نسبوا له القول بحرمة التمذهب بينما هو لا يقول بذلك، وقد خدم المذهب الحنبلي خدمة جليلة بتحقيقه لكتاب "منار السبيل".

وبالغ في التحذير مِن الحزبية والعصبية حتى نُسب له القول بتحريم العمل الجماعي بينما هو يحرِّم العصبية، ويقول بمشروعية العمل الجماعي.

وبالغ الدكتور "بكر أبو زيد" في نقد المذهبية وأباحها بضوابط بشرط الحث على فقه الدليل -كما بينا في تلك المقالة-.

وكتبَ في نقد الانتماء للجماعات حتى طار البعض بهذا مع أنه يقول في ذات الكتاب أن هذا مقيد بالبلاد التي تحكم بالشريعة، والتي غالب علمائها وعوامها على السُّنة، وأما غيرها مِن البلاد فقسمها إلى درجتين أُخرتين: البلاد التي أهلها مسلمون، والمسلمون الذين يعيشون في بلاد الكفر، ونصح هذين الصنفين بأنواع مِن التعاون.

وقد بينا مواقف شيخ الإسلام "ابن تيمية" وشيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" والعلماء المعاصرين: ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وبكر أبو زيد في سلسلة "تبصير الداعي بمشروعية العمل الجماعي". والحمد لله رب العالمين.

(4) اُطلق مصطلح أصحاب الحديث على الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وفي قضية المذاهب على وجه الخصوص يُعنى به طائفة مِن علماء الحديث لم ينتموا إلى مذهب بعينه، وبيَّن شيخ الإسلام "ابن تيمية" ذلك في جوابه على السؤال التالي (مجموع الفتاوى20-39): "سُئِلَ أَيْضًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: هَلْ الْبُخَارِيُّ؛ وَمُسْلِمٌ؛ وَأَبُو دَاوُد؛ وَالتِّرْمِذِي؛ وَالنَّسَائِي؛ وَابْنُ مَاجَه؛ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِى؛ وَالدَّارِمِي وَالْبَزَّارُ؛ وَالدَّارَقُطْنِي؛ وَالْبَيْهَقِي؛ وَابْنُ خُزَيْمَة؛ وَأَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ هَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدِينَ لَمْ يُقَلِّدُوا أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ أَمْ كَانُوا مُقَلِّدِينَ؟ وَهَلْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ يَنْتَسِبُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وفي السؤال تفاصيل أخر...

الصفحة السابقة الصفحة التالية