خيانة أم نصيحة... ؟!
محمد إسماعيل أبو جميل • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقبل أن تبني حكمًا متسرعًا... !
اقرأ أولاً بهدوء بنود هذه المعاهدة... والتي كانت بيْن طرف يسمى "مسلمًا" وطرف صليبي - (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 342-349, البستان الجامع لعماد الدين الأصفهاني ص603-605، تاريخ بيت المقدس للبطريرك جاكوب الفيتري ص 168، وانظر تفصيل المعاهدة في عيون الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية لأبي شامة ص190-191) - مستحضرًا أن هذه البنود جاءت بعد ظفر للمسلمين، وعز وإدالة على الصليبيين "هكذا قالوا لنا في التاريخ!".
وهذه البنود هي:
1- أن يُترك للنصارى "الصليبيين" حق الحج للقدس بحُرية -بعد أن دنسوها حوالي 90 عامًا ثم انتزعها منهم المسلمون-، وبغير أن يعارضهم أحد، وبغير ضريبة ولا رسم ولا مكس.
2- أن يترك للصليبيين حق المرور الآمن في بلاد المسلمين -أي رغمًا عن المسلمين، ولا يستطيعون منعهم- على الرغم مِن أن الصليبيين لا تزال أيديهم تقطر منها دماء المسلمين في الأقصى وبلاد الشام، والعكس!
3- أن يخرب قائد المسلمين "بنفسه" حصون المسلمين في عسقلان -آخر وأعظم وأصعب مدينة عجز عن اختراقها الصليبيون- فيخربها بنفسه، ويزيل هذا المانع الأخير من طريق الصليبيين، مع الحفاظ على أن يكون سكناها للمسلمين.
4- أن يعطي المسلمون نصف مدينة "اللد"، ونصف مدينة "الرملة" للصليبيين، ويسلموها لهم بعد أن كانت في حوزة المسلمين.
5- يكون للصليبيين المدن الساحلية من "صور" إلى "يافا"، بما فيها: "قيسارية، وحيفا، وأرسوف، وعكا"، والأعمال التابعة لكل مِن هذه البلاد.
6- المهادنة بين جيش المسلمين "صاحب الانتصارات والظفر" -هكذا أخبرنا التاريخ- وبين جيش الصليبيين 3 سنوات و3 أشهر، أي مدة رائعة ليأتي لهم المدد الكافي من أوروبا، ويعيدوا ترتيب جيوشهم، ثم... !
هذه هي بنود تلك المعاهدة، وبالطبع فالحكم الأَولي على ذلك القائد الذي أبرم هذه المعاهدة -بل والتي كانت بنودها من اقتراحه- هو: "الخيانة - موالاة أعداء الله - الكفر - الفسق - الركون للذين ظلموا - ... !".
ولكن لتقرأ المعاهدة مرة أخرى بعد أن تعرف طرفي المعاهدة، والظروف والملابسات التي أحاطت بها:
- التاريخ: "22 شعبان 588 هـ - 2 أبريل 1192م" (تاريخ ابن خلدون 5/ 392) .
- قائد المسلمين: الناصر "صلاح الدين" يوسف الأيوبي.
- قائد الصليبيين: ملك بريطانيا "ريتشارد الأول" قلب الأسد.
حقيقة المشهد
1- حالة "الجيش المسلم":
- سقوط عكا "نتيجة الهزيمة بعد شدة القتال والحصار، وليس نتيجة الخيانة كما أشيع" (تاريخ ابن خلدون 5/ 387-388, النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 244، تاريخ بيت المقدس للبطريرك جاكوب الفيتري ص 164, عيون الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية لأبي شامة 3/ 186, أخبار بني أيوب لابن واصل 2/ 355، البداية والنهاية 12/ 318) .
- سقوط أكبر مساعدي "صلاح الدين" أسرى لدي الملك "فيليب" ملك فرنسا، والملك "ريتشارد" ملك إنكلترا "الأمير المشطوب الهكاري أمير عكا، والأمير قراقوش" (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 244) .
- مقتل أكثر من 3000 أسير مسلم ظلمًا وغدرًا، ورغم ذلك فلم يعتدِ "صلاح الدين" على الأسرى الذين هم في يده، بل وأرسل الثلج والفاكهة لريتشارد أثناء مرضه، بل وأرسل له طبيبه الخاص! (تاريخ ابن خلدون 5/ 388, البداية والنهاية 12/ 320-324, النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 246-248، أخبار بني أيوب لابن واصل 2/ 355، الكامل في التاريخ لابن الأثير 10/ 207) .
- سقوط حيفا ثم قيسارية في يد الصليبيين بعد ما خربها المسلمون حتى لا ينتفع بها الصليبيون (الحرب الصليبية الثالثة 2/ 52-60- 68, النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 263) .
- هزيمة الجيش الإسلامي أمام "ريتشارد" قلب الأسد في معركة "أرسوف" هزيمة مُنكرة راح ضحيتها أكثر مِن سبعة آلاف مسلم، ولم يُقتل من الصليبيين إلا أقل من عُشر العُشر! (النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 275-277, الكامل لابن الأثير 10/ 98-99, الحرب الصليبية الثالثة 2/ 73-91, تاريخ ابن خلدون 5/ 388) .
- هزيمة المسلمين وانسحابهم من "معركة يافا" أمام الصليبيين بعد أن كانوا منتصرين في أول المعركة (الكامل لابن الأثير 10/ 217, النوادر السلطانية لابن شداد ص 322-337، تاريخ الحروب الصليبية محمد سهيل طقوش ص 514-515) .
2- حالة البيت من الداخل:
- الصراع بين الأمراء الأكراد والأمراء التركمان في الجيش (الكامل لابن الأثير 10/ 217, تاريخ ابن خلدون 5/ 390, النوادر السلطانية لابن شداد ص 322, 348-349, البداية والنهاية 12/ 323-324) .
- رفض الأمراء لمقترحات "صلاح الدين" بأن يمكثوا داخل أبواب القدس ليدافعوا عنها ضد "ريتشارد" (الكامل لابن الأثير 10/ 217, تاريخ ابن خلدون 5/ 390, النوادر السلطانية لابن شداد ص 32, البداية والنهاية 12/ 323-324) .
- الإرهاق الشديد والتذمر داخل الصفوف بسبب الحرب المستمرة لمدة 3 أعوام متتالية (النوادر السلطانية لابن شداد ص 322، البداية والنهاية لابن كثير 12/ 323-324) .
- بدء حدوث خلافات أسرية داخل أسرة "صلاح الدين" (الكامل في التاريخ لابن الأثير 10/ 216, تاريخ ابن خلدون 5/ 385) .
- مرض صلاح الدين وبادية شعوره بالإرهاق والنسيان (الجيش الأيوبي، محسن حسين، ص 469) .
- اشرأبت فلول الفاطميين بأعناقهم منتظرين غفلة من "صلاح الدين" لينتفضوا "وبالأخص بالصعيد" (خطط المقريزي، البستان الجامع للأصفهاني، ص 440 , كنز الدرر لابن أيبك الدواداري، أخبار بني أيوب) .
3- موقف العلماء:
- موقف مَن كان حيًّا مِن أهل العلم والفضل، ومَن جاء بعدهم: