خيانة أم نصيحة... ؟!
محمد إسماعيل أبو جميل • المنهج السلفي
أ- قال الإمام "الذهبي" -رحمه الله-: "قال القاضي بهاء الدين بن شداد: قال لي السلطان في بعض محاوراته في عقد الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدري أيش يكون مني، فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم بلاد، فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين، وترى كل واحد من هؤلاء -يعني أخاه وأولادهم- قد قعد في رأس تله -يعني قلعته- ويقول: لا أنزل، ويهلك المسلمون. قال ابن شداد: فكان -والله- كما قال! اختلفوا، واشتغل كل واحد بناحيته وبَعُد، فكان الصلح مصلحة" ( سير أعلام النبلاء، الطبقة الحادية والثلاثون 25/ 416-417 ) .
ب- أما "القاضي الفاضل": فإن "صلاح الدين" ما قطع أمرًا مِن دون مشورته، وقد أورد "أبو شامة" في الروضتين آثار سعادة الفاضل بالصلح، وثناءه على الناصر لأجل ذلك، وما ورد عن الفاضل إلا كل ثناء عن "صلاح الدين" وأعماله، وكان هو كاتبه الأثير لديه ووزيره، ونائبه ومحل ثقته ( النوادر السلطانية لابن شداد 4/ 193 ) .
ت- ورد عن "ابن شداد" تعليقه على الصلح بقوله: "وما كان الصلح إلا توفيقًا وسعادة" ( النوادر السلطانية لابن شداد ص 349 ) .
ث- وأورد "ابن الأثير الجزري" في كتابه: "الكامل في التاريخ" ذكر الهدنة، وأورد أنه لما تمت الهدنة تفرغ "صلاح الدين" لإصلاح "القدس" وأسوارها، والبلاد، ثم ذكر فرح أهل دمشق به عند دخوله إليها، وأورد عبارات الثناء والمدح على شخص "صلاح الدين"، وكأنه دخلها منصورًا مُظفرًا ( الكامل في التاريخ لابن الأثير 10/ 218-219 ) .
ج- ذكر "ابن خلدون" -رحمه الله- في تاريخه الصلح مختصرًا، ثم أورد بعده تفرغ "صلاح الدين" لإصلاح أسوار القدس ودخوله دمشق، قائلاً: "وسرّ الناس بقدومه، ووهن عدوه"، وأثنى عليه ( كتاب العبر 5/ 392-393 ) .
ح- ذكر الإمام "ابن كثير" -رحمه الله- وقائع الصلح، وتأسف لعدم إطاعة الجند لـ"صلاح الدين"، وذكر ما جرى بعدها قائلاً: "وفرح الجانبين فرحًا شديدًا، وأظهروا سرورًا كثيرًا"، ثم ذكر إكرام "صلاح الدين" لرؤوس الصليبيين، وإطعامه لهم، وعمل السماط "موائد الطعام" لهم في القدس، وهو يثني على "صلاح الدين" ولا يذكره إلا بالخير، ثم يرثيه بعدها بأفضل الرثاء، ويثني عليه خير ثناء ( البداية والنهاية 12/ 234-325 ) .
خ- روى "ابن كثير" أن آل المقدسي "محمد بن أحمد بن قدامة وأخوه، وابن خاله الحافظ عبد الغني المقدسي، والشيخ العماد" لا ينقطعون عن غزاة فيها "صلاح الدين"، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل وغيرها، وما ورد شيئًا في التاريخ عن هؤلاء إلا كل خير عن الناصر "صلاح الدين" ( البداية والنهاية 13/ 39 ) .
د- روى "أبو شامة" -رحمه الله- في الروضتين تفاصيل الصلح، وأن "صلاح الدين" قدَّم المصالحة "على الرغم من شدة الشروط"، وقال: "وكانت مصلحة علمها الله، وكان الصلح توفيقًا وسعادة من الله" (عيون الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية لأبي شامة، ص 193) .
ذ- أورد "أبو شامة" أبياتًا شعرية في الثناء على "صلاح الدين" وصلح الرملة لبعض أهل العلم كـ: ابن المجاور، والأديب والشاعر الشهير بالساعاتي -رحمهما الله- (عيون الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية لأبي شامة 4/ 191-192) .
ر- ورد ذكر "صلاح الدين" مصحوبًا بالثناء، وباسم "ملك السُّنة" عند شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما الله-، ولم يتناوله أحدٌ منهما مطلقًا بالذم على الرغم مِن شهرة "صلح الرملة" وآثاره المشهودة.
ز- تناول العديد من المعاصرين ذكر صلح الرملة: كالسويدان، وطقوش، والصلابي، ولم يذكره أحد بسوء.
س- لم نرَ مَن ذم صلح الرملة مِن المعاصرين أو المتأخرين إلا الشبكة العقائدية؛ إحدى مراجع الرافضة، وقد وصفوا "صلاح الدين" -رحمه الله- بأنه طالب سلطة، وخائن، وعميل؛ لأنه صالح الصليبيين وتخلى عن بعض بلاد المسلمين ولم يكمل الفتوح، واستهزءوا باستدلاله بتحقيق مصلحة البلاد وقتها!
4- رأي التاريخ:
- هذه المعاهدة أتاحت فرصة أخيرة للمسلمين، ولـ"صلاح الدين" لالتقاط أنفاسه، ولإيقاف جحافل الإنكليز والفرنسيين المنطلقة صوب بيت المقدس، ووقى الله -بفضله- المسلمين شر ضياع الأقصى مرة أخرى (تاريخ الحروب الصليبية لمحمد سهيل طقوش ، ص 516-517 ) .
5- رأي أعداء الله:
- شعور بالخيبة وعدم الانجاز؛ لعدم قدرتهم على إعادة القدس لحوزتهم! (تاريخ العصور الوسطى، رونسيمان 3/ 145 ) .
- حقد يُتوارث من خلال القصائد الشعرية الشعبية.
- ضريبة فرضت في إنجلترا اسمها "ضريبة صلاح الدين Saladin tithe "؛ لتجهيز الجيوش لإعادة القدس للصليبيين! وترجمت هذه الأحقاد لما وصل الجنرال "غورو" لقبر "صلاح الدين" وركله بقدمه صائحًا: "ها قد عدنا يا صلاح الدين!" (صفحات من نضال ثائر، إبراهيم هنانو) .
6- وبعد كل هذا... مِن الجدير بالذكر أن تعلم متى تم التحرير التام لبلاد الشام؟!
- خرج آخر جندي صليبي مِن آخر معقل لهم بالشام في "703 هـ - 1303م" -أي بعد 111 عامًا مِن تاريخ هذه المعاهدة- مِن جزيرة "أرواد" السورية المقابلة لساحل "انطرطوس" بعد تحصن لمدة 12 عامًا في عهد المماليك! (تاريخ العصور الوسطى، رونسيمان ، ص 312) .
إنها السنن لا تحابي أحدًا.
ولكنكم تستعجلون.