تعليقًا على مناظرة "خيري - الأزهري - الجفري - البحيري"... اللقاء كشف العوار!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تابع الكثيرون اللقاء التليفزيوني الماراثوني الذي أداره الإعلامي "خيري رمضان" بين الشيخ "أسامة الأزهري" والشيخ "حبيب الجفرى"، و"الأستاذ إسلام البحيري"، وهي المناظرة التي كَشفت الكثير مِن عوار (الأستاذ) إسلام؛ فشاهد الجميع ذلك (الباحث) وهو يغير أقواله عدة مرات في المجلس الواحد مع عناده وإصراره على أن كل هذه الأقوال متطابقة؛ فهو ينقل عن مقدمة "الموطأ"، فلما بيَّن له الشيخ أسامة أن الموطأ بلا مقدمة؛ قال: إنه يعني (الورقات التي في الأول)، ثم نبهه الأزهري مرارًا إلى أنه لا يوجد للموطأ أي نوع من أنواع (الأوراق اللى في الأول!)، قال: نقلت هذا عن الطاهر بن عاشور في شرحه على الموطأ المسمى "التحرير والتنوير"؛ لأن قدامى المالكية اطلعوا على أقوال لمالك غير مطبوعة؛ فبيَّن له الأزهري أن ابن عاشور معاصر، وأن التحرير والتنوير كتاب تفسير، وليس شرحًا للموطأ، فما كان منه إلا إعادة هذا الكلام المتناقض عدة مرات!
وقد يبدو الأمر لدى البعض شكليًّا، ولكن لو تأملتَ؛ لوجدته كارثيًّا أن يَنقل مَن يسمي نفسه باحثًا عن مصدر لم يطلع عليه سواء "الموطأ" أو "التحرير والتنوير" أو غيرهما مِن المصادر التي اتضح أنه لم يرها في حياته قط، وهذا ما يؤكد أنه مجرد ناقل لأبحاث غيره دون أن يحيل إليهم؛ إما خجلاً مِن أن يحيل إلى المستشرقين وأشباههم أو خجلاً مِن تكرار شبهات مثيري الفتنة قبله كـ"أبي رية" أو غيره، مع علمه بوجود عشرات الردود عليها، أو مجرد رغبة في نسبة جهد غيره إلى نفسه وإن كان جهدًا مذمومًا! (وسنبيِّن في مقالة لاحقة -إن شاء الله- المصادر الأشهر التي نَقل عنها سن عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد تتبع الباحث "فهد محمد الغفيلي" تلك الدعوة، وبيَّن المصادر التي نقل عنها "البحيري" بحثه هذا في كتاب بعنوان: "السنا الوهاج في سن عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج").
ومن عجائب "البحيري" التي أتى بها: تباهيه بأنه يفسِّر آية من القرآن على خلاف جميع المتقدمين، وتكون هذه هي نقطة يتحدى بها مناظريه، ورغم كل هذه السقطات من حيث الإطار العام -ناهيك عن الردود التفصيلية التي أجابه بها المناظران، بل وأحيانًا الأستاذ خيري رمضان- إلا أن البحيري خرج ليعلن أنه انتصر على (عبدة التراث)، والمشكلة التي مكنته -من وجهة نظري- من ادعاء الانتصار تكمن في أن الجميع (خيري - الأزهري - الجفري) مع حفظ الألقاب كانوا يتعمدون عدم إحراج الرجل والاكتفاء بالإشارة على اعتبار أن الحر تكفيه الإشارة، ولكن الإشارة لا تصلح مع مَن يصف التراث بالقمامة! والأئمة الأربعة وغيرهم بالمجرمين! وينسب أقوالاً للإجماع ثم يصفها بعدم الإنسانية؛ يعني أن علماء الأمة قبل أن يمن الله عليهم بالبحيري -الإنسان المهذب الرقيق!- كانوا غير إنسانيين.
وبالطبع تحامل البحيري على نفسه بعض الشيء فتجمل في حواره مع مناظريه ثم انطلق لسانه فور انتهاء الحلقة على مواقع التواصل الاجتماعي ليعلن انتصاره على (عبدة التراث)، ومع طول الحلقة وعلو صوت البحيري وانتزاعه للكلمة أطول وقت ممكن، ومع الجهد الذي قام به الجميع لرده إلى الحق إلا أن بعض النقاط لم تأخذ حظها مِن البيان؛ فأردتُ أن أعلـِّق عليها على وجه الاختصار.
وهي على النحو الآتي:
1- البحيري يناور بسن عائشة -رضي الله عنها-، وبحد الردة:
بعد مناظرة البحيري مع الدكتور "عبد الله رشدي" كتبتُ مقالة بعنوان: "البحيري مع ممثلي الأزهر يناظر أم يناور؟!"، وقلتُ: إن البحيري تعمد أن يصدر قضيتي حد الردة وسن عائشة -رضي الله عنها- عند زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لوجود شبهات لدى العامة في هاتين القضيتين، وكلما واجهه أحد باستهزائه من السنة ومِن علمائها، وبمناداته لهدم علوم الفقه والتفسير؛ فضلاً عن الحديث - يفر بسرعة إلى هاتين القضيتين مع أنهما ليستا أبرز أخطائه التي مِن أجلها تحرك "الأزهر" ضده!
وقلتُ: حيث إن هذه المناظرات جاءت عقب التحرك القانوني للأزهر ضده؛ فكان يجب أن ترتب أقواله ابتداءً مِن الأفدح إلى الذي يليه حتى نصل إلى هذه النقاط في ترتيبها، وقد حاول الدكتور "أسامة الأزهري" فعل ذلك في منتصف الحلقة، ومع تأخر المحاولة -حيث كان يجب أن تكون في بداية الحلقة- إلا أن البحيري عاد وأفلت منها إلى هاتين القضيتين، حتى إن الأستاذ "خيري رمضان" تعاطف معه في قضية سن عائشة -رضي الله عنها- عند زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- منها! "وسوف أعود لهذه القضية في نقطة مستقلة".
2- تصحيح الأحاديث "بالعقل والذوق!":
السُّنة وحي مِن عند الله -عز وجل- داخل في قوله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، فالسنة داخلة في هذا الذكر المحفوظ بدليل -قوله تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ، وإذا كنا على يقين من وعد الله -تعالى-؛ فلا بد وأن نثق أن السنة محفوظة، فلما رجعنا إلى واقع ما نُسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وجدنا أن فيه ما هو مِن رواية الكذابين، ومن رواية صالحين مختلطي الحفظ، ووجدنا أن علماء الحديث قد وضعوا الضوابط التي نفرِّق بها بين ما نثق بنسبته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين ما لا نثق به؛ فنعمل بالأول، ونهمل الثاني، وبهذا نكون قد عملنا بقوله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، وبقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات:6) .