شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليقًا على مناظرة "خيري - الأزهري - الجفري - البحيري"... اللقاء كشف العوار!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

وبهذه الحالة يكون الشرع حاكمًا على المؤمنين به؛ امتثالاً لقوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (الأحزاب:36) ، وكمزيدٍ مِن التثبت ولوجود احتمال أن يَهِمَ الثقاتُ -على ندرة هذا-؛ فقد قرر العلماء أن المتن وإن ثبت مِن رواية الثقات فإنه لا يُقبل إن خالف القرآن أو القطعيات العقلية أو السنة الآكد ثبوتًا، ومِن هذا الباب ولج كثير من المنبهرين بالفلسفة الوافدة في زمن الجهمية والمعتزلة، والمنبهرين بالحضارة الغربية الحديثة في زماننا، وأرادوا أن يمرروا عقائد وأحكامًا تخالف الشرع مدعين أنها وردت في أحاديث تخالف العقل أو تخالف القرآن، وهي دعوى تصدر مِن غير منصف، ويتعامل معها بغير الطريقة التي بيَّنها الله -تعالى- بقوله: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ) (آل عمران:7) .

والآية تأمر برد مثل هذه النصوص القرآنية وهي مما لا ينازع أحد في ثبوتها، ولكن عند تشابه معناها ترد إلى الراسخين في العلم، الذين يفسرون كل نص على ضوء النصوص الأخرى ولا يردون شيئًا مِن النصوص كتابًا كانت أو سنة، فإذا استحكمتِ المخالفة حَكَموا أن النص المخالِف لما هو أوثق منه مِن كل وجه هو وهمٌ مِن قائله وإن كان ثقة.

ومِن أمثلة ذلك: القضية التي شغـَّب بها "البحيري" كثيرًا، وهي زواج الصغيرة، فقد اعتبر العلماء قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ) (متفق عليه) ، ولكنهم لما ثبتَ لديهم تزويج أبي بكر عائشة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهي صغيرة، بعضهم بالغ في تضييقه وقال: هذا استثناء، "ومنهم ابن شبرمة مِن تابعي التابعين، وابن حزم مِن الأئمة، وعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وابن عثيمين من المعاصرين -وهما ممن يوصفوا عند البحيري بأنهم وهابية!-".

وأما الجمهور فتوسعوا في الرخصة -وهذا هو واقع توصيفها الأصولي- فمنحوها كل أب كما هو مذهب مالك، وتوسع الشافعي أكثر فألحق به الجد، وانفرد أبو حنيفة بإعطاء هذا الحق لكل ولي للمرأة، ومع هذا نبَّه النووي بخطاب موجَّه إلى الولي -وليس إلى القاضي- بأن الأصل ما لم توجد حاجة أن ينتظر بلوغها، ومِن ثَمَّ إذنها.

وهذا هو بيت القصيد في الخلاف بين المذاهب الفقهية التي أبقتْ على ولاية الأب مصونة وغير منقوصة، وبين الاتجاه المعاصِر الذي يتجه إلى سحب كثير من صلاحيات الآباء وإحالتها للبرلمان كتشريع أو للقضاة في الأمور التقديرية، ولا شك أن الأب أكثر شفقة، وأن ترك الأمور التقديرية له أكثر مرونة ليبقى التشريع العام على أعلى درجة مِن المرونة واليسر.

على أن كثيرًا مِن المعاصرين يوافقون مِن حيث المبدأ على تقييد صلاحيات الولي متى شاع الفساد وُوجد التقصير مِن الآباء في رعاية مصالح البنات، ومِن ذلك: تقييد صلاحيتهم في نكاح الصغيرة، ولكن الذي نخلص به من هذا العرض أن العلماء أعملوا جميع النصوص على خلاف طريقة "البحيري"، ومَن نقلوا عنهم فإنهم يتسرعون في العدوان على نصوص صحيحة بدعوى وجود مصادمة متوهمة بينها وبين العقل أو بينها وبين القرآن أو بينها وبين سنة آكد!

وإننا متى فتحنا الباب ليكون التصحيح والتضعيف للعقل؛ فسوف يجرنا إلى الذوق، وهي من "المواطن النادرة" التي كان فيها "البحيري" صادقًا مِن أنه يريد التحاكم إلى "الذوق"؛ ومِن ثَمَّ تسقط كل قيمة ملزمة للشريعة، ويكون اتباع الهوى الذي ذم الله أصحابه فقال: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) (محمد:14) .

ومما يدل على اتباع الهوى في ذات القضية التي اعتبرها البحيري "قضيته الأم": محاولة "تزييف" التاريخ، وتغيير سن زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من عائشة ليوافق عادة عصور أخرى، كما اتبع "العقاد" صاحب أول محاولة لهذا التزييف طريقة اللجوء لطرح تواريخ بعضها مِن بعض ليصل بنا إلى سن كان مقبولاً -في زمن العقاد- وهو 12 سنة، بينما أعاد البحيري -ومَن نَقلَ عنه البحيري- الكرَّة، ومع ذات التاريخ ليصل به إلى 18 سنة؛ ليوافق آخر ما استقرت عليه الأمم المتحدة!

فإذا كان هذا هو فعل الأهواء في التاريخ الذي لا يَملك أي أحد حياله إلا روايته كما هو؛ فماذا سيفعلون بنا في التشريع متى رجعنا فيه إلى أهوائهم؟!

وبالإضافة إلى هذا؛ فإن دعوى اعتبار "العقل" و"الذوق" معيارًا للحكم على ما نُسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- لن يَنتج عنه فقط استبعاد نصوص ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي انطبق عليها قوله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، بل هذا المنهج سوف يفتح الباب أمام مرور الأحاديث الضعيفة "بل والموضوعة"؛ لأن البحيري ينادي بإسقاط قواعد القبول والرد التي اتفقت الأمة عليها، وينادي باعتبار الذوق وحده هو المعيار! ومِن ثَمَّ فلا عجب حينئذٍ أن يمر جمع كبير من الأخبار المكذوبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم إن البحيري في دعوته تلك قد توهم أنه من جيل الصحابة أو التابعين -على الأكثر!-؛ فأخذ يقرر قواعد لقبول الحديث ورده، وكأن الأخبار ما زالت غضة طرية، والعهد ما زال قريبًا بزمان النبوة، وأما أن يأتي أحد بعد 1400 سنة، ويخترع لنا معيارًا جديدًا؛ فهو إما أن يبني على جهود أنكرها وسفهها، وإما أنه سوف يقضي على السنة بالضياع -والعياذ بالله-، وليضع لنا البحيري وغيره دينًا جديدًا يرضونه لنا.

3- هل السُّنة كُتُب تاريخ؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية