شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مَن يتصدى لدراسة علم مختلف الحديث؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن الممكن أن تذهب إلى العطار لتسأله عن عشبة مهدئة للسعال أو مساعِدة على الهضم أو نحوها مِن الأمراض بناءً على أن العلم بفوائد الأعشاب المشهورة قد ثبت بالتجربة المطردة، والتي أُيدت في العصر الحديث بدراسات علوم النباتات؛ ومِن ثَمَّ فإن دور العطار لا يتجاوز "التجارة" في الأعشاب شأنها شأن أي سلعة مع بعض الاهتمام بهذه المعرفة التي قاربت أن تكون عامة بين البشر.

ولكن الواقع أن كثيرًا مِن العطارين لا يقنع بهذا الدور؛ فيفتش في الكتب القديمة عن وصفات لعلاج أمراض مستعصية، وحبذا لو كانت الوصفة ذاتها مستعصية باحتوائها على أعشاب نادرةٍ أو أن يخبرك عن الأعشاب بأسمائها غير الدارجة!

وفي كثير مِن الأحيان تكون هذه الوصفات ضارة أو أن دورها في علاج المرض لا يرقى حتى إلى درجة الوقاية أو المكملات الغذائية، وهو مع هذا مزهو بنفسه، فخور بعلمه، منابذ للأطباء، منتقد مسالكهم وجهلهم وتخبطهم، وأن أدويتهم لها آثار جانبية "وربما تطوع فزاد: ولكنهم يجهلونها!".

والمشكلة أن بعض العامة ربما يحتج إذا قدَّر الله -تعالى- على يد العطار الشفاء مِن سعال عارض أو مغص يسير على أنه بالفعل أتى بما لم ولن يستطيعه الأطباء! ومِن ثَمَّ فربما تركَ علاج أمراض قاتلة، واكتفى بوصفة العطار؛ فهذا إن لم تدركه رحمة ربه فهيأ له مَن أعاده إلى رشده؛ وإلا فهو يقترب مِن أن يكون شريكًا مع ذاك العطار الجاهل في قتل نفسه.

فإذا استصحبت ذلك المثال؛ فعليك أن تستجمع أضعاف أضعافه وأنت ترى فلانًا وعلانًا، وكأن الواحد منهم هو الذي إليه انتهتْ علوم المنقول والمعقول في شرع الله -عز وجل-، بينما قدْر ما يعرفه مِن الشرع لا يبلغ عُشْر ما يعرفه العطار مِن الطب، بل لعل علاقة الواحد من هؤلاء بالشرع أقرب إلى علاقة حلاق الصحة بالطب!

وهؤلاء قد يَخرج الواحد منهم لكي يتحدث في "فقه المقاصد" ومفهوم "الوسطية" وهي أمور يعرفون بداياتها، ويضطربون غاية الاضطراب في أوساطها؛ فضلاً عن نهايتها إذا تعارضت المصالح وتزاحمت، وتداخلت العلل، واحتاج الأمر إلى بصيرة لم يأخذوا بأسباب وجودها.

ولكن الأعجب مِن هذا أن يتصدى بعضهم لعلم مِن أجلِّ العلوم، وهو علم "مختلف الحديث"، أو التصدي لشرح الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وهو بحر خِضَم -كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله- خاضه علماء أثبات: كالشافعي، وابن قتيبة، والطحاوي، وابن تيمية، وابن القيم، وقال السخاوى في شأن مَن يتصدى له: "وإنما يكمل به مَن كان إمامًا جامعًا لصناعتي الحديث والفقه، غائصًا على المعاني الدقيقة".

وهؤلاء المشار إليهم يعانون فوق معاناتهم -التي ذكرناها- مِن أمور، منها:

- اعتمادهم على الكتب الطاعنة على السُّنة مِن خلال كتب المعتزلة، والشيعة، والمستشرقين، والمبشـِّرين "وسيكون لنا وقفة معهم في مقالة مستقلة -بإذن الله تعالى-"، وهم مع ذلك يكتمون مصادرهم، ويصورون أنفسهم رؤوسًا في الباطل، وهم فيه أذناب الأذناب!

- جهلهم بوجود علم مستقل للرد على هذه الشبهات تأسس منذ بدايات ظهورها على يد الزنادقة في القرن الثالث الهجري، فتصدى لهم أئمة أعلام، مِن أبرزهم: الشافعي، وابن قتيبة، ثم الطحاوي، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهم الله تعالى-، وهذا العلم هو المُعنـْوَن بـ"مختلف الحديث".

وفي مثل هذا يُقال:

إذا كـنتَ لا تـدري فتـلـك مصيـبـة وإن كنت تدري فالمصيبة أعـظـم

- ترتب على هذا: تصديهم لهذا العلم الذي لا يصلح له إلا الجهابذة، مع أن بضاعتهم في العلم الشرعي على النحو الذي نعرفه ونراه.

وبعد هذه المقدمة، إليك تعريف مختصر بهذا العلم الشريف مستفاد مِن مختصر في مقدمات هذا العلم كتبها: "علي بن عبد الرحمن العويشز"، وزدتها اختصارًا؛ لتلائم هذا المقال، وليكون فيه تعريف موجز بهذا العلم الشريف.

أولاً: تعريف مختلف الحديث في الاصطلاح:

يمكن تعريفه: "أَنْ يأْتي حديثان مُتَضادَّان في المعنى ظاهرًا".

ثانيًا: مشكل الحديث في الاصطلاح:

يمكن تعريفه بأنه: "الحديث الذي لم يَظهر المراد منه لمعارضته مع دليل آخر صحيح".

ثالثًا: الفرق بين تعريف مختلف الحديث وتعريف مشكله:

عند التأمل في تعريف مختلف الحديث ومشكله يظهر لنا الفرق بينهما.

فمختلف الحديث سببه: معارضةُ حديثٍ لحديث ظاهرًا.

بينما مشكل الحديث سبب الإشكال فيه: قد يكون التعارض الظاهري بين آيةٍ وحديثٍ، وقد يكون التعارض الظاهري بين حديثين أو أكثر، وقد يكون معارضة الحديث للإجماع، وقد يكون معارضة الحديث للقياس، وقد يكون سببه مناقضة الحديث للعقل، وقد يكون سببه غموضًا في دلالة لفظ الحديث على المعنى لسببٍ في اللفظ؛ فيكون مفتقرًا إلى قرينة خارجية تزيل خفاءه كالألفاظ المشتركة.

الفرق بين حكم مختلف الحديث ومشكله:

المختلف حكمه: محاولة المجتهد التوفيق بيْن الأحاديث المختلفة بإعمال القواعد المقررة عند أهل العلم في ذلك، وأما المشكل فحكمه: النظر والتأمل في المعاني المحتملة للفظ وضبطها، والبحث عن القرائن التي تبيِّن المراد من تلك المعاني.

فائدة:

رغم الفرق الاصطلاحي بين المختلف والمشكل، إلا أن المؤلفات التي أُلفت في رد الشبهات عن السُّنة اعتنتْ بالنوعين، وإن كان عنوانها لا يدل إلا على أحدهما كتأويل "مختلف الحديث" لابن قتيبة، شمل قسمًا مما يُصطلح على تسميته مشكلاً، وكذا "مشكل الآثار" للطحاوي، اشتمل على قسمًا مما يصطلح على تسميته مختلفًا.

رابعًا: أهمية علم مختلف الحديث:

- علم مختلف الحديث له أهمية كبيرة حيث إن فهم الحديث النبوي الشريف فهمًا سليمًا، واستنباط الأحكام الشرعية من السنة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- استنباطًا صحيحًا لا يتم إلا بمعرفة مختلف الحديث. وما مِن عالم إلا وهو مضطرٌ إليه ومفتقر لمعرفته؛ ولذا فقد تنوعت عبارات الأئمة في بيان مكانة مختلف الحديث وعظيم منزلته.

ومن ذلك قول ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى-: " وهذا مِن أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه" (الإحكام في أصول الأحكام) .

الصفحة التالية