مَن يتصدى لدراسة علم مختلف الحديث؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين
وقال أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: "هذا فنٌ من أهمِّ الأنواع، ويضطرُّ إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف" ( التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث ) .
وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "فإن تعارضَ دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض، بحر خضم" (مجموع الفتاوى) .
- أنَّ النظر في طرق العلماء ومناهجهم في دفع إيهام الاضطراب عن أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يُنمِّي لدى طالب العلم مَلـَكة في التعامل مع النصوص الشرعية، وكذلك يربيه على تقديس وتعظيم وإجلال الوحي كتابًا وسنةً؛ فلا يرد منها شيئًا، بل يجتهد في طلب التوفيق والجمع بينها؛ وذلك لعلمه أن نصوص الوحي لا تتعارض بحال.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فصلوات الله وسلامه على مَن يصدّق كلامه بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، فالاختلاف والإشكال والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم" (مفتاح دار السعادة) .
- أنَّ مختلف الحديث يكتسب أهميته من أهمية مُتعلقه، وهو فقه الحديث، وقد بلغت عناية أئمة الحديث بهذا الشأن مبلغًا عظيمًا؛ حيث عدَّه بعضهم نصف العلم.
قال الإمام علي بن المديني -رحمه الله-: "التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم" (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) .
خامسًا: أشهر المصنفات في علم مختلف الحديث:
إن كثيرًا مِن العلماء اعتنوا بمختلف الحديث عناية كبيرة، ومِن هؤلاء: إمام الأئمة "ابن خزيمة" -رحمه الله تعالى-؛ فهو مِن أحسن الناس كلامًا فيه حتى قال عن نفسه: "لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما!" (تدريب الراوي) .
ومِن العلماء مَن صنـَّف فيه مصنفات: كالإمام "محمد بن إدريس الشافعي" -رحمه الله- في كتابه "اختلاف الحديث" الذي ذكر فيه طرفًا مِن الأخبار المتعارضة، ولم يقصد الاستقصاء.
قال النووي -رحمه الله تعالى-: "وصنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد -رحمه الله- استيفاؤه، بل ذكر جملة ينبـِّه بها على طريقه" ( التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث ) ..
وممن صنف فيه كذلك "أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَري" -رحمه الله تعالى- في كتابه "تأويل مختلف الحديث"، وكان غرضه مِن هذا الكتاب: "الرد على مَن ادَّعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى مِن المنتسبين إلى المسلمين" (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة -رحمه الله-) .
ومنهم "أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي" -رحمه الله تعالى- في كتابه "مشكل الآثار"، وهو مِن أعظم ما صُنف في هذا الباب، وقد بيَّن في مطلع كتابه غرضه مِن تأليف الكتاب، فقال: "وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي الآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالأَسَانِيدِ الْمَقْبُولَةِ الَّتِي نَقَلَهَا ذَوُو التَّثَبُّتِ فِيهَا وَالأَمَانَةِ عَلَيْهَا, وَحُسْنِ الأَدَاءِ لَهَا, فَوَجَدْتُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِمَّا يَسْقُطُ مَعْرِفَتُهَا وَالْعِلْمُ بِمَا فِيهَا عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَمَالَ قَلْبِي إلَى تَأَمُّلِهَا وَتِبْيَانِ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُشْكِلِهَا، وَمِنِ اسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا، وَمِنْ نَفْيِ الإِحَالاتِ عَنْهَا, وَأَنْ أَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَابًا أَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَا يَهَبُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِي مِنْ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى آتِيَ فِيمَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مِنْهَا كَذَلِكَ مُلْتَمِسًا ثَوَابَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْهِ، وَاللهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ وَالْمَعُونَةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (شرح مشكل الآثار) .
ومنهم مَن لم يفردوه بالتصنيف، لكنهم قد بثوه وفرَّقوه في كتبهم، ومِن هؤلاء: حافظ المغرب "أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر"، وشيخ الإسلام "تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية"، و"أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب"، والحافظ "أحمد بن علي العسقلاني"، وشمس الدين "أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية" -رحمهم الله جميعًا- وغيرهم.
والأمر كما قال النووي -رحمه الله-: "وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني".
سادسًا: بيان حقيقة الاختلاف الحقيقي والظاهري:
الاختلاف الحقيقي هو: التضاد التام بين حجتين متساويتين دلالةً وثبوتًا وعددًا، ومتحدتين زمانًا ومحلاً، وهذا لا يمكن وقوعه في الأحاديث النبوية؛ لأنها وحي من الله -تعالى-، قال الله -سبحانه-: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3-4) ، والوحي يستحيل وقوع الاختلاف والتناقض فيه؛ لقوله -تعالى-: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) .
قال الإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره لهذه الآية: "وأن الذي أتيتهم به من التنزيل مِن عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض" (جامع البيان في تأويل القرآن) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدَّم به" (المستدرك على مجموع الفتاوى) .
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر؛ فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق" (مفتاح دار السعادة) .
الاختلاف الظاهري: وهو وهم يكون في ذهن الناظر، ولا وجود له في الواقع.