مَن يتصدى لدراسة علم مختلف الحديث؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • من نور الوحيين
قال إبراهيم بن موسى الشاطبي -رحمه الله-: "كل مَن تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل مَن حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر؛ فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين مِن الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" (الموافقات) .
وهذا الاختلاف الظاهري له أسباب عديدة، قد أوضح ابن القيم -رحمه الله- شيئًا منها، فقال -رحمه الله-: "ونحن نقول لا تعارض -بحمد الله- بيْن أحاديثه الصحيحة؛ فإذا وقع التعارض، فإما أن يكون أحد الحديثين ليس مِن كلامه -صلى الله عليه وسلم-، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ أو التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه -صلى الله عليه وسلم-، فلا بد مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة.
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يُوجد في كلام الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده -صلى الله عليه وسلم-، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومِن هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع وبالله التوفيق" (زاد المعاد في هدي خير العباد) .
وقال كذلك: "وإن حصل تناقض فلا بد من أحد أمرين: إما أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، أو ليس من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخًا فلا تناقض ولا تضاد هناك ألبتة، وإنما يُؤتى من يُؤتى هناك مِن قِبَل فهمه، وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة! فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف" (إعلام الموقعين عن رب العالمين) .
ومِن خلال الكلام السابق لابن القيم -رحمه الله- يظهر أن أسباب التعارض والاختلاف ترجع إلى:
- إما أن يكون أحد الحديثين ليس مِن كلامه -صلى الله عليه وسلم-، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط.
- وإما أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، إذا كان مما يَقبل النسخ.
- وإما أن يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه -صلى الله عليه وسلم-.
- وإما من جهة تقصير الناظر في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده -صلى الله عليه وسلم-، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا.
- أو تحكيم آراء الرجال، وقواعد مذهب من المذاهب على السنة النبوية على صاحبه أفصل الصلاة وأتم التسليم.
سابعًا: مسالك أهل العلم في دفع مختلف الحديث:
القول الذي عليه جماهير أهل العلم في دفع التعارض الظاهري بين مختلف الحديث هو أن يَسلك المجتهد الطرق الآتية:
- الجمع بين الحديثين: لاحتمال أن يكون بينهما عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، أو مجمل ومبين؛ لأن القاعدة المقررة عند أهل العلم: أن إعمال الكلام أولى مِن إهماله.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ولا يُنسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهًا يمضيان معًا، إنما المختلف ما لم يمضِ إلا بسقوط غيره، مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد؛ هذا يحله، وهذا يحرمه" (الرسالة) .
قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر، وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر، أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث" (معالم السنن) .
- النسخ: إن لم يمكن الجمع بين الحديثين؛ نُظِر في التاريخ لمعرفة المتأخر مِن المتقدم، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم.
قال الشافعي -رحمه الله-: "فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا" (اختلاف الحديث للشافعي) .
- الترجيح: إن لم يمكن الجمع، ولم يقم دليل على النسخ؛ وجب المصير إلى الترجيح الذي هو تقوية أحد الحديثين على الآخر بدليل لا بمجرد الهوى.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ومنها ما لا يخلو مِن أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- مما سوى الحديثين المختلفين أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا؛ فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه" (اختلاف الحديث للشافعي) .
وقال الشوكاني -رحمه الله- في مبحث وجوه الترجيح بين المتعارضين: "إنه متفق عليه، ولم يخالِف في ذلك إلا مَن لا يعتد به، ومَن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح" (إرشاد الفحول) .
- التوقف: إذا تعذر كل ما تقدم مِن الجمع، والنسخ، والترجيح؛ فإنه يجب التوقف حينئذٍ عن العمل بأحد الحديثين حتى يتبين وجه الترجيح.
قال الشاطبي -رحمه الله-: "... التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح... " (الموافقات) .
قال السَّخاوي -رحمه الله-: "ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى مِن التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، وفوق كل ذي علم عليم" (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) .