شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام "ابن حزم" يرد على د."عبد المقصود" (2-2)

عصام حسنين • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل مقالنا السابق في الرد على د."محمد عبد المقصود" في توصيفه لرئيس مصر السابق د."محمد مرسي" أنه ولي أمر شرعي، وإمام عدل، وأن مَن خرج في "30-6" خوارج وبغاة، وبالتالي فيجب الوقوف بجانب الإمام العدل وقتالهم معه!

وقد استدل على ما ذهب إليه بكلام للإمام ابن حزم -رحمه الله- سبق توضيح ما فيه في المقال السابق، وأنه لا يفيد ما ذهب إليه، ولا ينطبق بحال على الرئيس السابق د."محمد مرسي"، وفي هذه المرة نستكمل بقية الردود على ما ادعاه.

فأقول: وأما ما ذكر د."عبد المقصود" في ولاية المتغلب: "لا دليل عليها أو هي استنباط... ".

فقد قال ابن حزم -رحمه الله-: "وأما الجهاد: فهو واجب مع كل إمام، وكل متغلب، وكل باغٍ، وكل محارب من المسلمين؛ لأنه تعاون على البر والتقوى، وفرض على كل أحد دعا إلى الله -تعالى- وإلى دين الإسلام، ومنع المسلمين ممن أرادهم، قال الله -تعالى-: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) (التوبة:5) ، فهذا عموم لكل مسلم بنص الآية في كل مكان وكل زمان، وبالله -تعالى- التوفيق" (الفِصَل 3/ 109-110) .

وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "ولو خرج رجل على الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وبايعوه؛ صار إمامًا يحرم قتاله والخروج عليه فإن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير -رضي الله عنهما- فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعًا وكرهًا، فصار إمامًا يحرم الخروج عليه; وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم، ويدخل الخارج عليه في عموم قوله -عليه السلام- : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) (رواه مسلم) ، فمن خرج على مَن ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيًا وجب قتاله" (المغني 12/ 72) . وسبق نقل ابن بطال إجماع الفقهاء على ذلك.

وليس معنى ذلك أننا نقول: إن رئيس الجمهورية إمام توافرت فيه شروط الإمامة -كما سنذكرها- وتغلب؛ بل هو كغيره ممن تولى في ظل الدولة الدستورية، يُعان في الخير وينصح ويُعصى في الشر والمعصية؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومحل الاستشهاد من النـُقـُول: أن الجيش سيطر على مقاليد البلاد ومعه الظهير الشعبي -وهم مسلمون وليسوا بكفار-؛ فهل يواجَهون مع الإمام العادل -كما يوصفه البعض- على أنهم بغاة؟! وأين هو الإمام؟ وأين الجيش الذي معه لنطبق سيرة سيدنا علي -رضي الله عنه- في قتال البغاة؟!

فكان الميزان الشرعي ما ذكره أهل العلم حقنًا للدماء وحفاظًا على المكتسبات، ومنها الظهير الشعبي، والدستور، وغيرهما، ومنعًا للاحتراب الداخلي وتعريض البلاد لخطر الاحتلال لو سمعوا لنصح الناصحين، لكن قدَّر الله وما شاء فعل، وقضاء الله خير كله.

وما كان من دماء فما شاركنا فيها ولا عاونا، ولا أمرنا، ولا تسببنا أو باشرنا، ولا رضينا، بل أنكرنا! ( فَمَنْ أَنْكَرَ فَقْدَ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) (رواه مسلم) ، بل وطالبنا بديات وتعويضات للمصابين.

ومع ذلك فهناك أمور تفصيلية لما حدث يحكم الله فيها يوم القيامة، وعند الله تجتمع الخصوم!

توصيف الدكتور "محمد مرسي":

وأما قوله: "إن الدكتور محمد مرسي إمام وولي أمر شرعي... "، ومِن ثَمَّ تنزيل النصوص التي وردت في قتال البغاة والخارجين عليه بناءً على هذا التوصيف!

فيرد عليه الإمام ابن حزم -رحمه الله- أيضًا فيقول في شروط الإمامة:

"... وأن يكون بالغًا ممَيِّزًا؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يعقل ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، فذكر الصبي حتى يحتلم, والمجنون حتى يفيق.

3- وأن يكون رجلاً؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً ) (رواه البخاري) .

4- وأن يكون مسلمًا؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (النساء:141) ، والخلافة أعظم السبل, ولأمره -تعالى- بإصغار أهل الكتاب, وأخذهم بأداء الجزية, وقتل من لم يكن من أهل الكتاب حتى يُسلموا.

5- وأن يكون متقدمًا لأمره عالمًا بما يلزمه من فرائض الدين، متقيًا لله -تعالى- بالجملة، غير معلن بالفساد في الأرض؛ لقول الله -تعالى-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) ، لأن من قدم مَن لا يتقي الله -عز وجل- ولا في شيء من الأشياء معلنًا بالفساد في الأرض غير مأمون, أو من لا ينفذ أمرًا, أو من لا يدري شيئًا من دينه؛ فقد أعان على الإثم والعدوان ولم يُعِن على البر والتقوى, وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه البخاري ومسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ ) (رواه مسلم) .

فصح أن السفيه والضعيف، ومَن لا يقدر على شيء؛ فلابد له مِن ولي، ومَن لابد له من ولي فلا يجوز أن يكون وليًّا للمسلمين, فصح أن ولاية مَن لا يستكمل هذه الشروط باطلة لا تجوز, ولا تنعقد أصلاً" (الفصل 3/ 92-93 بتصرف) .

قلتُ: فمن نظر في هذه الشروط وجد أن بعضها لا ينطبق على الدكتور "محمد مرسي" ولا غيره من رؤساء الدول الدستورية الحديثة؛ فلم يكن مقيمًا للدين, ولا يسوس الدنيا بالدين, فعند وضع دستور 2012م كان يطالب ومعه جماعته بإبقاء مبادئ الشريعة فقط في المادة الثانية، ويقولون كافية!

وقال: إن الحدود أحكام فقهاء، وليست مِن مبادئ الشريعة!

الصفحة التالية