الإمام "ابن حزم" يرد على د."عبد المقصود" (2-2)
عصام حسنين • المنهج السلفي
بل مِن رؤية الجماعة السياسية أنهم لن يطبقوا الشريعة الآن, وسل "غزة" تخبرك!
وسل عن "مأساة الإسلام وأهله من وجود الإخوان في حكم تونس" تخبرك! حتى خرج الدكتور "القرضاوي" يمدح "دستور تونس" في ظل دولة الإخوان الذي خلا من ذكر الشريعة وأطلق الحريات! وما ترتب على ذلك من منع النقاب وغيره في الوقت الذي يذم "دستور مصر" الذي نص على مرجعية الشريعة -والحمد لله-!
وهذا يدلك دلالة صريحة -مع ما ذكرناه من قبل- عن اعتقاد الإخوان من أنهم هم الإسلام! وما خرج من عباءتهم فهو الشرعي الصحيح، وما لم يخرج من عباءتهم فليس بشرعي ولا صحيح! ومَن قال بقولهم فهو العلامة الفهامة، ومَن قال بضده فهو جاهل، منافق... ! إلى آخر هذه الألقاب الباطلة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والرئيس في الدستور -الذي ينظم العلاقة بيْن الحاكم والمحكوم- بالانتخاب وبانتهاء مدته يدعو إلى انتخابات جديدة, وإن فاز لا يحق له أن يترشح لفترة رئاسة ثالثة، ويشاركه في السلطة التنفيذية مجلس الوزراء, ويشاركه أيضًا مجلس النواب في التشريع, ولا يشرع تشريعًا ويصدر قانونًا إلا بعد موافقة مجلس الشعب، والسلطة القضائية مستقلة بعيدًا عنه.
ثم شرط القوة والشوكة لم يكن موجودًا -وباعترافكم قلتم وتقولون: لم يكن معه أحد، كان الجميع ضده-, فجميع وسائل القوة لم تكن في يده؛ فاستعصت عليه الشرطة، والإعلام، والقضاء، والجيش في أخريات أيامه حتى إن وزير دفاعه ينذره بإعلان خريطة طريق إن لم يتدارك أموره ويسعى للتوافق مع الأحزاب لإصدار خريطة طريق!
أضف إلى ذلك: سوء السياسة والتدبير, وتدخل "المرشد وجماعته" في الأمور التي لم تجعله مستقلاً بالتدبير؛ فكيف يكون ولي أمر؟!
ثم انظر إلى سوء السياسة الخارجية التي جعلت معاداة الدول العربية قبل غيرها لبلادنا, وسعيه مع الجماعة لتحقيق مخطط التقسيم الغربي برعاية "إيرانية - قطرية - تركية", وهذا ما جعل السعودية ودول الخليج تنفر من التعامل مع مصر, ومِن ثَمَّ باركتْ تولي الجيش زمام الأمور حتى آل الأمر إلى جعل جماعة الإخوان جماعة إرهابية! بالإضافة إلى خطر التقارب مع شيعة إيران والعراق!
فتبيَّن بذلك أن الشروط التي ذكرها ابن حزم -رحمه الله- في الإمام العدل الواجب الطاعة لا تتوافر في الدكتور "محمد مرسي"، ولا غيره! وإنما هو كان رئيس جمهورية مصر العربية الدستورية الحديثة، قد قام عقد بينه وبين الشعب على احترام الدستور والقانون، وأن يراعي مصالح الشعب والوطن، فيُطاع ويُعان في المعروف, ويُعصى ولا يعان في معصية الله -تعالى-.
كما أنه يلتزم بصلاحيات الرئيس في الدستور والقانون ونلتزم معه -كشعب- بذلك؛ فإن عجز أو قصَّر في مصالح البلاد والحفاظ على وحدتها لم يلزم تركه لنهاية المدة بمقتضى العقد؛ لأن الإخلال بمصالح البلاد إخلال بالعقد سواء كان عن عجز أو تقصير.
وبسبب هذا "التوصيف الباطل" وقع ما وقع مِن إراقة هذه الدماء -وما زالتْ تُسال إلى اليوم!-، ثم لما بعُد وهم عودة الدكتور "محمد مرسي" تركوه، وقالوا: "القضية الآن ليست محمد مرسي، وإنما قضية حقوق اكتسبها الشعب عن طريق الانتخابات نسعى لإعادتها!".
فقلنا: إذن القضية ليست قضية إقامة الدين, ولا استعاده حاكم أو خليفة شرعي, وإنما صارت مكتسبات ديمقراطية.
وبفرض أنها كذلك فليس للمسلمين طاقة على ما تريدون, وإنما النتيجة مزيد من الدماء والاعتقالات والمفاسد الكثيرة, بل السعي لهدم كيان البلد وغيره, وتجرؤ البعض على التكفير، والتفجير والمواجهة بغية إضعاف الجيش، وغير ذلك.
وإذا كنتَ -يا د.عبد المقصود- أنتَ ومَن معك ممن فروا إلى تركيا وقطر تقولون: فررنا بدمائنا! فهل دماؤكم أغلى مِن دماء مَن دعوتموه للثبات في اعتصام "رابعة" وأن مَن قُتل فهو شهيد؟! فلِمَ لم تقولوا: فلنمت على ما ماتوا عليه؟!
ولِمَ عندما قلتَ: "إن الاعتصام في رابعة فتوى خمس هيئات، ومِن علماء السعودية: د.العمر، ود.عبد العزيز الطريفي، ثم قلتَ: بلاش أسماء بدلاً من أن يُضروا الآن. فقال سلامة عبد القوي: بلاش أسماء، لماذا؟".
أليس هذا ميزانًا للمصالح والمفاسد، وعدم إلحاق الضرر بالآخرين؟!
فلماذا تريدون الضرر بشباب وفتيات المسلمين في مصر؟!
ولمَ الكيل بمكيالين!
وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فيا شباب...
إن المخرج مما نحن فيه إنما يكون بالدخول في مصالحة ولم الشمل، والعمل للمصلحة العامة وتقديمها على المصالح الخاصة، والجلوس للحوار لمناقشة الأفكار والتناصف فيما بيننا.
يا شباب... قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف -رحمه الله-: "واعلموا أنه لا ينجي عند اختلاف الناس وكثرة الفتن إلا البصيرة، وليس كل مَن انتسب إلى العلم وتزيا بزيه يُسأل ويُستفتى وتأمنونه على دينكم، قال بعض السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم؛ لا تأخذوا عمن هب ودب، وحُرم الفقه والبصيرة، فإنكم مسئولون عن ذلك يوم القيامة" (الدرر السنية 8/ 84) .
أسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يؤلـِّف بين قلوبنا، وأن يصلح ذات بيننا، وأن يجعل مصر سخاءً رخاءً، آمنة مطمئنة، وسائر بلاد المسلمين.