شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في التمذهب (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

(تاريخ التمذهب، والحث على فقه الدليل)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قلتُ في المقالة الأولى مِن هذه السلسلة (مناقشات في التمذهب): "هذه سلسلة مِن المقالات نتناول فيها قضية التمذهب وعلاقته بأصل الاتباع الذي يمثـِّل واحدًا مِن أهم أصول المنهج السلفي؛ نستعرض فيها الضوابط التي بيَّنها العلماء للجمع بيْن التمذهب كترتيب اتفقت الأمة على إباحته في الجملة، وبيْن ما أجمعت الأمة عليه مِن وجوب اتباع الدليل".

وكانت المقالة الأولى قائمة بشكل رئيسي على مبحث: (تاريخ التمذهب، والحث على فقه الدليل) مِن كتاب: (المدخل المفصَّل لمذهب الإمام أحمد)، وقد اقتصرنا فيه على ما يخص "تاريخ التمذهب" على أن نتناول "الحث على فقه الدليل " في المقالة الثانية.

وكنتُ قد جعلتُ كلام د."بكر أبو زيد" كأصلٍ، وأضفتُ بعض التعليقات عليه في الحواشي؛ فلما وجدتُ أن تلك الحواشي قد شغلتْ بعض الباحثين عن الأصل فلم يتعرض له بموافقة ولا مخالفة، وشغلته حتى عن التمهيد اليسير الذي استهللتُ به المقالة، والذي بيَّنتُ فيه أن الغرض الرئيسي مِن المقالة هو الجمع بيْن التمذهب واتباع الدليل، ووجدت أن بعض الإخوة الفضلاء قد ظنَّ أنني جعلت التمذهب قسيمًا لاتباع الدليل - فمِن ثَمَّ حرصًا على أن يتضح الأمر للموافق بجلاء، وأن تُترك الفرصة للمخالِف لكي يناقِش كلامًا متينًا مِن عالم نحرير، وهو في ذات الوقت متمذهب، بل ويكتب هذا الكلام في كتابه في مدخل المذهب؛ فسأكتفي في هذه المقالة بكلام د."بكر أبو زيد" مجردًا، ولن يكن لي أي عمل فيه بعد هذه المقدمة إلا إعادة ترقيم حواشي الكتاب الأصلية لتكون حواشي المبحث كله مرقمة ترقيمًا متسلسلاً؛ لتناسِب طريقة نشرها كمقالة.

ونريد أن نؤكِّد على أن هذا الطرح لم ينفرد به د."بكر أبو زيد" سواء في الجزء الخاص بتاريخ التمذهب أو ما ذكره مِن قواعد استفاد معظمها مِن كلام شيخ الإسلام ابن "تيمية" وتلميذه "ابن القيم"، وقبلهما الخصيب "البغدادي" والحافظ "ابن عبد البر" -رحمهم الله- وهو ما ندين لله به في هذه القضية.

قال العلامة "بكر أبو زيد" في كتابه "المدخل المفصَّل لمذهب الإمام أحمد" في المبحث الرابع مِن المدخل الأول ما نصه: "المبحث الرابع: تاريخ التمذهب، والحث على فقه الدليل، وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق؛ لا العصبية والشقاق: كان أَمر الناس جاريًا على السَّلامة والسَّداد من الإسلام والسُّنة في صدر هذه الأمة مِن عصر الصحابة -رضي الله عنهم- إلى غاية القرون المشهود لها بالفضل والخيرية؛ الشريعة ظاهرة والسُّنة قائمة، والبدع مقموعة، والأَلسن عن الباطل مكفوفة، والعلماء عاملون، ولعلمهم ناشرون، والعامي يستفتي مَن يثق به وتطمئن إِليه نفسه ممن لقيه مِن علماء المسلمين؛ لم يتخذوا مِن دون الله وَليْجَةَ، ولا إمامًا مِن دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا كتابًا غير كتاب الله -تعالى-، ولا سنة سوى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهديه، مع كثرة فقهاء الصحابة -رضي الله عنهم-، ومنهم الخلفاء الأَربعة الراشدون، ومع وفرة علماء التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، وفي العصر الواحد نحو خمسمائة عالم يصلح كل واحد منهم أَن يكون إِمامًا يُتمذهب له، ويُقَلَّدُ في قوله ورأيه، لكن يأَبى الله ورسوله، والمؤمنون أَن يتخذ مَن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل والخيرية إمامًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصبونه حاكمًا على السنة والدَّليل، وينزلونه منزلة النبي المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.

وكانت الحال جارية على السَّداد في أَعقاب تلك القرون، وفيها الأَئمة الأَربعة المشهورون؛ جرتْ أَحوالهم في ركاب سلفهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم على الخير والهدى، والبِر والتقوى، والعلم ونشره، والفقه وتبليغه، وتنقيح مسائله؛ ولعنايتهم الفائقة وظهور فضلهم، احتوشهم الطلاَّب، وكثر حولهم الأصحاب، وتنافسوا في جمع أقوالهم، وتصنيفها وتأصيلها، والتقعيد لها؛ حتى بلغ أَثَرُ كل منهم مبلغًا، واتُّخِذ مذهبًا، وَصَاحِبَهُ إمامًا، وكان الأصحاب في كَل مذهب مقتصرون على ذلك، ثم أخذ هذا يتقوَّى شيئًا، فشيئًا، حتى تمكنت من النفوس عوامل العصبية، والانتصار والحمية، والتنافس في المذهبية، وَمِن هُنَا انعقدت آصرة التعصب المذهبي، وبلغتْ إلى بلاط الولاة، وقام سوقها في الدروس والِإجازات، وتطوير المذهب بالتخريج إلى إمام الواقعات والمستجدات، فصار أهل السُّنة إلى هذه المذاهب الأَربعة المشهورة، درسًا وتدريسًا، وقراءة وإقراء، وكتابة وتأليفًا، وقضاءً وفتيا، وعلمًا وعملاً، وصار لها مِن القبول والانتشار ما بلغ مبلغ الليل والنهار، وانصرف الناس إِليها كالعنق الواحد؛ فآلَ جُلّ الخليقة مِن المسلمين إلى قسمين اثنين:

القسم الأَول: منتسب إلى ذلك الإمام، اتَّخذه مستدلاً واقتنى كتب مذهبه لمعرفة استدلاله، ثم عرضها على الوحيين الشريفين، فما كان مؤيدًا بالدليل أخذ به، ومَا لاَ فَلاَ، مع الولاء لكل عالم مِن علماء أهل السنة، والاستفادة مِن فقههم، وحسن أثرهم، ودَعَا إلى الوفاق ونبذِ أَسباب الشقاق، وعقد لاختلافهم "مجلس المناظرة والشورى" إلى الأَدلة الشرعية، وفي عُقْدَةِ رأيه: التَّسْلِيْمُ لِلدَّليل، وَلمَا قَامَ على ترجيحه الدليل.

الصفحة التالية