شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في التمذهب (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

القسم الثاني: متَعَصِّبٌ ذَمِيم أَخْلَدَ إلى حضيض التقليد، ولم يَدْرِ ما يُبدئ في الفقه، وما يعيد، هَجَرَ القرآن، والسُّنة، والقدوة بصاحب هذه الرسالة صلى الله عليه وسلم، وَنَصَبَ إِمَامَهُ غير المعصوم مَحِلَّ النبي المعصوم، فجعله الواسطة بينه، وبين رَبّه، فلا يدين بدليل، ولا تعليل سليم، وجعل: "المتن في المذهب" له قرآنًا، وشُروحه "له سنة وَتِبْيَانًا، فالحق عنده ما قاله، أَو استروحه هو من مذهب إمامه، وإن خالف الدليل، لقد هجر هذا الفريق القرآن، واتخذوه لِلرّقي والسلوان وعدلوا عن السنة وجعلوها للتبرك وقضاء الأَزمان، وأَوجدوا الشقاق! وتشقيق الأمة حتى بلغ الحال إِلى أَن الحنفي المتعصب لا يصلي خلف الشافعي، ولا يزوجه، وأَنه بمنزلة الذمي. وبهذا يظهر فساد قول أَبي الحسن الكرخي مِن الحنفية: "كل آية تخالف ما عليه أَصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ!". وبطلان قول مَن أَبصر أَنوار الدليل فلم تنفتح لها بصيرته لتعصبه المذهبي فقال: "لم أخالفه حيُّا فلا أخالفه ميتًا!". وقول بعضهم: "فلعنة ربنا أعداد رمل ... على مَن رد قول أبي حنيفة!"، وقول قاضي دمشق محمد بن موسى الباساغوني الحنفي. ت سنة (506) هـ: "لو كانِ لي أمر لأَخذتُ الجزية مِن الشافعية!" انتهى مِن ترجمته في "ميزان الاعتدال".

وقول القاضي عياض -رحمه الله تعالى- مع جلالته:

ومالك المرتضى لا شك أَفضلـهم إِمام دار الهدى والوحي والسنن

وقول محمد بن إبراهيم البوشنجي -رحمه الله تعالى-:

وإنِّي حياتي شافعي فـإِن أَمت فتوصيتي بعدي بأَن يتشفعوا

وقول أبي إسماعيل الأنصَاري الهروي -رحمه الله تعالى-:

أَنا حـنبليٌّ ما حيـيـت واِن أَمـت فوصيتي للناس أَن يتحنبلوا (1)

والمنصف يلتزم قول الإمام مالك- رحمه الله تعالى-: "ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر" وأَشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقال الصاوي في "حاشيته على الجلالين" عند قول الله- تعالى-: ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا . إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) (الكهف:23-24) : "ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأَربعة، ولو وافق قول الصحابة، والحديث الصحيح، والآية؛ فالخارج عن المذاهب الأَربعة ضال مضل، وربما أَدَّاه ذلك للكفر؛ لأَن الأَخذ بظواهر الكتاب والسنة مِن أصول الكفر!" (انتهى بلفظه) .

وهذا القول الشنيع قد نقله شيخنا الأَمين -رحمه الله تعالى- في (أَضواء- البيان:7/437- 463) ورد عليه ردًّا بليغًا، وفَنَّدَه، وأَغلظ على مقالته.

فهذا فريق تباعد عن الكتاب والسُّنة؛ فضلَّ الطريق، ومالتْ به العصبية ذات الشمال وذات اليمين -نعوذ بالله مِن صنيعه- وقد عظمت بهم المحنة، واشتدت بهم الأزمة، وكان الناس في أَمر مريج، واضطراب شديد!

مِنْ هُنَا وَقَعَ التجاذب في المسلم بيْن داعيين: داعي الدليل الأَحق، وداعي التقليد الأَعمى الأَصم، وصار مَن الأَبحاث المتولِّدة بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة، وقد قال كلٌ فيه قولاً، وبحث آخر فيه بحثًا، وثالث أَلَّف فيه رسالة، أَو رسالتين ورابع كتب فيه كتاباً، أَو كتابين، وخامس ما ترك مناسبة إلَّا وذكره، كُلّ على مراده ومشربه.

وما زال دولاب التطاحن والتكاثر فيه مستمرًا حتى عصرنا؛ فهو محل سجال، ومعترك نزال، ووقع بسببه مشاحنات، وبغضاء، وتكفير وتبديع، وتفسيق وتضليل، وتقاطع، وتدابر؛ حتى نشبت في بعض الأَصقاع حروب أَبادت الفريقين، وهيشات أُهْدِرت بسببها دِمَاءُ من شاء الله مِن المسلمين، وما زال الأمر كذلك حتى تَطَامَنَتِ الفتنة بقلم الحافظين: حافظ المشرق: الخطيب البغدادي، المتوفـَّى سنة (463 هـ) -رحمه الله تعالى- في كتابه: "الفقيه والمتفقه"، وحافظ المغرب: ابن عبد البر، المتوفى سنة (463 هـ) -رحمه الله تعالى- في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله"؛ إِذ حَرَّرا كلمة الفصل بالانتصار لداعي الدليل، والقدح في الدعوة إلى التعصب الذميم، والصدَ عن الدليل، فَلاَح لَدَى المنصفين الحق المبين من الزيْفِ والمَيْنِ، لكن هذه قضية للهوى والحظوظ النفسانية فيها غارة ومدخل، وغاية ومطلب؛ لأَن أمور القضاء، والفتيا، كانت ترْسَمُ على مذهب كذا، والسلطة معهم، فيصعب اقتحام الدعوى عليهم.

لكَن ما شعر الناس إلا وصوت جهير ينطلق مِن الأرض المباركة، من رُبى دمشق الشام، يُعْلِنُ على رؤوس الأَشهاد: فساد التعصب المذهبي، وغلط المقلدة، وتغليط الدعوة إلى سدِّ باب الاجتهاد، وأَن حقيقة ذلك نسخ للشريعة، والصيحة في وجوه دعاة التعصب المذهبي، وأَنه بدعة حادثة بعد القرون الفاضلة، وأَن قول مَن قال بوجوب تقليد فقيه في دين الله لاَ يُخْرَجُ عن قوله إلى الدليل، ولا إلى غيره مِن المجتهدين: ضلال عظيم، وبدعة في المسلمين، وأَن الواجب هو الطواعية لله، ودينه، وشرعه، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا غير، إلى آخر تلك الحقائق الِإيمانية، والدعوات الشرعية، فقال في ذلك وخطب، وكاتب وكتب، وأَنكر على الفَعَلةِ، واستنكر، ونصح وأَرشد؛ ذلكم هو شيخ الإسلام "أَبو العباس تقي الدِّين أَحمد بن عبد الحليم بن تيمية النميري الحراني ثم الدمشقي"، المولود سنة (661 هـ) والمتوفَّى سنة (728 هـ) -رحمه الله تعالى-؛ فأثرت دعوته الإصلاحية هذه، وهَيَّأَ الله له أعوانًا وتلاميذ، في غرتهم: شمس الدِّين أَبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ) -رحمه الله تعالى- تلميذه، وصاحب التصانيف المفيدة، فكان لهذين الإمامين مِن المباحثات الدقيقة ما تقر به عيون الذين يؤثرون طاعة الله ورسوله، وطاعة أهل العلم والهدى على أهل التعصب والهوى، ثم استمرت هذه المدرسة الأَثرية المباركة، تسير في كل ناحية، ويظهر لها في كل عصر عالم وداعية، حتى أَخذ ظِلُّ هذه المحنة يتقلص، وغشاوته تنجلي، وَآلت الدعوة إلى التقليد، والحَجْرِ على العقول، والصَّدِّ عن الدليل في زاوية يأباها الله ورسوله والمؤمنون، وَمَا يَسْكنُ إِليها إلَّا متجرئ على الِإثم، متحمل آثام من يقلده في بدعته.

الصفحة السابقة الصفحة التالية