مناقشات في التمذهب (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
ثالثًا: يجب على المسلمين تعلُّم كتاب الله- تعالى- وسُنَّةِ رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والعمل بما علموا منهما، وإن تعلم الوحيين في هذا الزمان، أَيسر منه بكثير في القرون المتقدمة؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك مجموعًا، مرتبًا، مفهرسًا، مطبوعًا، مقرَّب التناول، وقد حثَّ الله المسلمين في محكم كتابه على تدبره، فقال -سبحانه-: ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) (آل عمران:79) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ) (رواه البخاري) .
والسُّنة قطرة مِن بحره الزاخر كما قال- تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) .
وقد أنكر الله على مَن لم يكن كذلك، فقال- تعالى-: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (محمد:24) ، وقال- سبحانه-: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) (الفرقان:30) .
لهذا فإن إِعراض كثير مِن أهل الأقطار عن الوحيين الشريفين، وتقليص الاقتباس مِن نورهما في كراسي التعليم، والاكتفاء بالمذاهب المدونة: مِن أعظم الباطل، وهو مخالِف لأَئمة تلك المذاهب، وقد أَنتج هذا البلاء العظيم: تحكيم القوانين الوضعية، ثم تهدئة عواطف الأمة بدعوى المماطلة "تقنين الشريعة"، وأَنتج: "الغَزْوَ الفِكْرِيَّ" بشتى ضروبه، وأشكاله.
رابعًا: يجب على العوام الذين لا قُدرة لهم على التعلم، سؤال أهل العلم، والعمل بما أفتوهم به، وهذا هو "التقليد" في الاصطلاح الحادث (2) ، وحقيقته: "الأَخذ بمذهب الغير مِن غير معرفة دليله".
وهو على قسمين: جائز وغير جائز:
القسم الأول: التقليد الجائز وهو على نوعين:
1- تقليد العامي عالمًا أهلاً للفتيا، فيما ينزل به مِن أمور دينه: وهذا العامي يجوز له أن يقلِّد مَن شاء مِن العلماء مِن غير حَجْر في كل نازلة تَمُرّ به، راغبًا الوصول إلى الاقتداء والتأسي؛لا تتبع الرّخص التَشهي،وهذا تقليد مشروع مجمع على شرعيته.
2- تقليد المضطر اضطرارًا حقيقيًّا؛ فهذا معذور، مثل:
- مَن لا قدرة له على الفهم.
- مَن له قدرة على الفهم، لكن عاقته عوائق عن التعليم.
- أو هو في أَثناء التعليم، لكن لم ينضج بعد.
- أَو لم يجد كفؤًا يتعلم منه، ونحو ذلك.
القسم الثاني: التقليد غير الجائز وهو على ثلاثة أنواع:
1- كل حُكم ظهر دليله مِن كتاب أو سنة أَو إجماع سالم مِن المعارض؛ فهذا لا يجوز فيه "التقليد" بحال، ولا "الاجتهاد"، وإنما يجب فيه: "الاتباع"، وحقيقة الاتباع: هو الأخذُ بِمَا ثَبَتَتْ عليه حجة مِن كتاب أو سنة أو إجماع سالم مِن المعارض.
2- تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده مجتهدًا آخر خلاف ما ظهر له هو.
3- تقليد رجل واحد مِن العلماء دون غيره مِن جميع أهل العلم، فهذا لم يحصل لأحدٍ مِن الصحابة -رضي الله عنهم- ولا مِن أحد منهم، ولا في أحد مِن أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية، ولم يقل به أحد مِن أهل العلم طيلة تلك القرون، وإنَّما حدثت بدعة القول به في القرن الرابع الهجري.
وقد أَجرى ابن عبد البر المتوفَّى سنة (463 هـ) -رحمه الله تعالى- في "جامعه"، وابن القيم المتوفى سنة (751 هـ) -رحمه الله تعالى- في "إِعلام الموقعين": المحاكمةَ بيْن دعاة التقليد على هذا الوجه، وبيْن المانعين، ببحوث طويلة الذيل، لكنها قصيرة في نظر المنصف -أمثال هذين الإمامين-؛ لقصور حجة المجيز، وظهور حجة عدم الجواز على القول بالجواز.
وقد ساق شيخنا "محمد الأَمين الشنقيطي" المتوفى سنة (1393 هـ) -رحمه الله تعالى- مقاصد الشيخين في كلامهما في "أَضواء البيان": (7/488- 539).
ولابن القيم -رحمه الله تعالى- كلمات حسان، لم أَستطع تجاوزها دون سياق لها؛ لأَنها جامعة مانعة، وهذا نصها: "4/ 262- 264": "ولم يوجب الله ولا رسوله على أَحدِ مِن الناس أَن يتمذهب بمذهب رجل مِن الأمة؛ فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة، مبرأ أَهلها مِن هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له؛ لأَن المذهب إِنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حسبه، ولمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما مَنْ لم يتأهَّل لذلك ألبتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصِرْ كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أَنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب؛ لم يصر كذلك بمجرد قوله.
يوضحه أَن القائل إِنَّه شافعي أو مالكي أو حنفي، يزعم أَنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إِنَّما يصح له إِذا سلك سبيلَه في العلم والمعرفة والاستدلال، فأَما مع جهله وبُعْده جدًّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه؛ فكيف يصح له الانتساب إِليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ مِن كل معنى؟! والعامي لا يُتصور أَن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أَحدًا قط أَن يتمذهب بمذهب رجل مِن الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويَدعُ أقوال غيره.
وهذه بدعة قبيحة حَدَثَتْ في الأمة، لم يقل بها أَحد مِن أَئمة الإسلام وهم أَعلى رتبة وأَجل قدرًا وأعلم بالله ورسوله مِن أن يلزموا الناس بذلك!
وأَبعد منه قول مَن قال: يلزمه أَن يتمذهب بمذهب عالم مِن العلماء!
وأَبعد منه قول مَن قال: يلزمه أَن يتمذهب بأَحد المذاهب الأَربعة!
فيا لله العجب!
ماتت مذاهب أَصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أَئمة الإسلام، وبطلت جملةً؛ إلا مذاهب أَربعة أَنفسٍ فقط مِن بيْن سائر الأَئمة والفقهاء؟! وهل قال ذلك أَحد مِن الأَئمة أو دعا إليه أو دلَّت عليه لفظة واحدة مِن كلامه عليه؟!