مناقشات في التمذهب (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
هذه إِلمامة مختصرة عما كان عليه أمر الناس، وما حدث بعد مِن التمذهب، ثم انشقاقهم فيه إلى فريقين؛ إلا بقايا مِن أهل العلم كانوا على ما كان عليه الأَئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- حتى عصر الخلفاء الأَربعة -رضي الله عنهم- اكتسبوا، لَقَب: "أَهل الحديث"؛ هذا اللقب المنيف الذي كان مِن قَبْلُ لِشُيُوْخ القرون المفضلة، ثم قيام ورثتهم في القرن الثامن الهجري بإِحياء مآثرهم، ودلالة الناس على مدرستهم، تترسم خُطى النبوة والرسالة، ومدارج الصحابة، وَقَفْوَ التابعين لهم بإحسان في الخُطُوَات الآتية:
أولاً: أن الله -سبحانه- قد قَضَى وحكم، وأمر وألزم، وعهد إلينا: ألا نعبد إلا إيَّاه، وألا نعبده إلا بما شَرَع؛ وهذا مقتضى الشهادتين، وهذا هو أصل الملة، بل عليه مدار بعثة جميع أَنبياء الله ورسله -عليهم السلام-.
فحكمه وأَمره- سبحانه- في آياتٍ، منها: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) .
وأَمره في قوله- تعالى-: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) (التوبة:31) ، وقوله -سبحانه-: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (البينة:5) .
وحكمه في قوله- تعالى-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) (الأنعام:57) .
وقضاؤه في مثل قوله -تعالى-: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (الإسراء:23) .
وعهده في قوله -تعالى-: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (يس:60-61) .
وإلزامه عباده بتوحيده في قوله -تعالى-: ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (الفتح:26) .
قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في آخر رسالته "رواية الاصطخري": كما في: "الطبقات لابن أَبي يعلى: 1/ 31": "والدين إِنَّما هو كتاب الله -عز وجل-، وآثار وسنن، وروايات صحاح عن ثقاتٍ بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضًا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأَصحابه -رضوان الله عليهم-، والتابعين وتابعي التابعين، ومَن بعدهم مِن الأَئمة المعروفين المُقتدَى بهم، المتمسّكين بالسُّنة، والمتعلقين بالآثار؛ لا يعرفون بدعة، ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يُرْمَوْن بخلاف، وليسوا بأَصحاب قياس ولا رأي؛ لأَن القياس في الدين باطل، والرَّأي كذلك وأبطل منه، وأَصحاب الرأي والقياس في الدِّين مبتدعة ضلال، إلا أَن يكون في ذلك أَثر عمن سلف مِن الأَئمة الثقات.
ومَن زعم أَنه لا يَرى التقليد، ولا يقلد دينه أحدًا؛ فهو قول فاسق عند الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، إِنَّما يريد بذلك إبطال الأَثر وتعطيل العلم والسُّنة، والتفرد بالرأي والكلام، والبدعة والخلاف، وهذه المذاهب والأَقاويل التي وصفتُ مذاهب أَهل السُّنة والجماعة والآثار، وأَصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أَدركناهم وأَخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن، وكانوا أَئمة معروفين ثقات أَصحاب صدق، يُقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أَصحاب بدعة، ولا خلاف ولا تخليط، وهو قول أَئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم؛ فتمسكوا بذلك -رحمكم الله- وتَعَلَّموه وعَلِّموه. وبالله التوفيق) انتهى .
ثانيًا: أَن الواسطة بيننا وبيْن الله: هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فنشهد بالله أَنه قد بلَّغَ الرسالة، وأَدَّى الأَمانة، وختم الله به النبوة والرسالة، وأَكمل الله به الديانة، وجعل شريعته ناسخة لكل شريعة، قاضية على كل نحلة ووجهة، فيجب على كل مسلم الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به، واتباع سنته، فإِن مَن أَطاعه أَطاع الله ومَن عصاه فقد عصى الله، وقد قال الله- تعالى-: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (القصص:50) .
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو المبين عن ربه، وعلماء أمته مستقون مِن شريعته، مستدلون بما أَوحاه الله إِليه؛ فهم وسائط في البلاغ والاستدلال، ونقل هذا الدِّين، ونشره.
وفي "الطبقات" أَيضًا قال الإمام أَحمد -رحمه الله تعالى-: "الدال: الله -عز وجل-. والدليل: القرآن. والمبيِّن: الرسول -صلى الله عليه وسلم-. والمستدل: أولو العلم. هذه قواعد الإسلام" انتهى .
وأولو العلم المستدلون للأَحكام الشرعية، هم: "أولو الأمر" المذكورون في قول الله- تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (النساء:59) .
فالعالم المفتي المجتهد "وفي مقدمتهم علماء صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" الواحد منهم قائم في هذه الأمة مقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في وراثة الشريعة، وتبليغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والنذارة بها، وبذل الوسع في استنباط الأَحكام منها؛ ولهذا كان لهم في الأمة مِن عظيم المقام، وصدق القيام، ما به تأيد هذا الدِّين، وبلغ ما يراه الناس مِن هذا المبلغ العظيم، وكان مِن آثاره الحِسان هذه الجهود المتكاثرة المباركة في استنباط الأَحكام مِن نصوص الوحيين الشريفين، وتدوينها، والجلد العظيم على نشرها، وتوسيع دائرتها، وتدوينها في متون، وشروح، وحواشٍ، وما إِليها؛ الكل يلتمس الارتواء مِن هذه الشريعة المباركة، فكلهم مِن رسول الله يقتبس، ومِن شريعته يلتمس، وما هم بالمعصومين.