شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإعلام وثوابت الإسلام (3)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

قضية تدوين السنة ومنزلة "صحيح البخاري"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي هجمة علمانية ممنهجة يواصل الإعلام المأجور هجومه على ثوابت الإسلام، معلنًا بالحال والمقال قاعدته في هذه المرحلة: "لا تبقوا مِن الإسلام شيئًا ثابتًا، فكل شيء في الإسلام قابل للتشكيك!"؛ يبتغون مِن وراء ذلك صرف الناس عن دينهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومِن الثوابت التي يتعرض لها ذلك الإعلام المأجور بالهجوم عليها في هذه الأيام: "قضية تدوين السنة" مِن خلال الطعن على ناقليها أو مدونيها: كالإمام "البخاري" -رحمه الله-؛ فيَخرُج هذا مِن فضائية، والآخر من أخرى، والأخرى مِن جريدة، يهجمون على كتاب "صحيح البخاري" وعلى صاحبه بالنقد والتشكيك والتكذيب؛ هدمًا لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين، وهكذا فإنهم إذا نجحوا في ذلك لم يبقَ لهم إلا التشكيك في كتاب الله -تعالى-! وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وهذه وقفات موجزة لنعرف من خلالها أهمية قضية تدوين السنة، ومنزلة البخاري في حياة المسلمين.

أولاً: منزلة "البخاري" العامة عند المسلمين:

صحيح البخاري عند المسلمين يعد أعظم كتاب بعد كتاب الله، ويعظمون نسبة الخطأ إليه حتى إذا أخطأ أحدهم وأراد أن يهون خطأه قال: "هل أخطأنا في البخاري؟!"، وأما منزلته عند العلماء فقد قال الإمام النووي -رحمه الله-: "اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول" (مقدمة شرح النووي على صحيح مسلم) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "أما كتب الحديث المعروفة، مثل: البخاري، ومسلم، فليس تحت أديم السماء كتاب أصح منهما بعد القرآن" (مجموع الفتاوى 18/ 75) .

وقد كان الأمراء يأمرون بقراءة صحيح البخاري عند الغزو والجهاد، قال ابن كثير -رحمه الله-: "ذكر فتح عكا وبقية السواحل: وفيها جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق: الغزاة في سبيل الله إلى عكا، وقد كان أهل عكا في هذا الحين عدوا على مَن عندهم من تجار المسلمين فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأبرزت المجانيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمطوعة يجرون في العجل، حتى الفقهاء والمدرسون والصلحاء، وتولى سياقتها الأمير علم الدين الدواداري، وخرجت العساكر بين يدي نائب الشام، وخرج هو في آخرهم، ولحقه صاحب حماة الملك المظفر، وخرج الناس من كل صوب، واتصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من الديار المصرية بعساكره قاصدًا عكا، فتوافت الجيوش هنالك، فنازلها يوم الخميس رابع ربيع الآخر، ونصبت عليها المجانيق من كل ناحية يمكن نصبها عليها، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاربتها والتضييق على أهلها.

واجتمع الناس بالجامع لقراءة "صحيح البخاري"؛ فقرأه الشيخ شرف الدين الفزاري، وحضر القضاة والفضلاء والأعيان... وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس، ونصبت السناجق الإسلامية فوق أسوار البلد، فولت الفرنج عند ذلك الأدبار، وركبوا هاربين في مراكب التجار، وقتل منهم عدد لا يعلمهم إلا الله تعالى، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئًا كثيرًا جدًّا، فيسر الله فتحها نهار جمعة، كما أخذتها الفرنج من المسلمين في يوم الجمعة، وسلمت صور وصيدا قيادهما إلى الأشرف، فاستوثق الساحل للمسلمين، وتنظف من الكافرين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين" (البداية والنهاية بتصرف يسير 17/ 632-634) .

ثانيًا: مكانة السنة من الشريعة:

إن مرجع الشريعة الإسلامية إلى أصلين، هما: "القرآن والسنة": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، والسنة تفسِّر القرآن؛ فلا يعرف الشرع إلا بهما جميعًا، قال الله -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل:44) ، ولابد من فهمهما في ضوء الإجماع، والقياس مبني على الثلاثة.

بل قد تنفرد السنة ببعض الأحكام، مثل: "ركعات الصلاة - تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها - تحريم سائر القرابات من الرضاع - تحريم كل ذي ناب ومخلب من الطير - تحليل ميتة البحر - وغير ذلك".

ومِن هنا يتبين لك لماذا كل هذا الهجوم على السنة؟!

ثالثًا: اهتمام الصحابة -رضي الله عنهم- بالسنة والحديث:

فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- في غاية الحرص على سماع الوحي والسنة: عن عمر -رضي الله عنه- قال: "كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ... " (متفق عليه) .

وكانوا حريصين على جمعها وتبليغها بنصها امتثالاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

رابعًا: تدوين السنة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-:

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في البداية ينهى الصحابة -رضي الله عنهم- عن كتابة الحديث عنه خشية اختلاطه بالقرآن؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ) (رواه مسلم) ، ثم أذِن -صلى الله عليه وسلم- لهم أن يكتبوا عنه السنة لما أمِن ذلك.

الصفحة التالية