شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإعلام وثوابت الإسلام (3)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لَمَّا فَتَحَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ )، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِلا الإِذْخِرَ ) فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ )، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ" (رواه البخاري) ، وكتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض أصحابه كعمرو بن حزم وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- وغيرهما.

وفي سنة 99 هجرية أمر عمر بن العزيز -رحمه الله- بجمع الحديث وتدوين السنة في مجامع خشية الضياع بالموت أو خلط المفسدين (التعريف بالكتب الستة لأبي شهبة) .

خامسًا: منهج العلماء في تدوين السنة:

وضع علماء الحديث الضوابط الصارمة لضمان صحة النقل: كعدم الغفلة، والنسيان، والاختلاط؛ فضلاً عن الصدق، والضبط، والعدالة، واتصال السند، وعلم الرواية مِن فحص الرجال، والجرح والتعديل؛ تعظيمًا لمسألة النقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتثبًا في نقل الأخبار؛ قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) ، وقال -تعالى-: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (الإسراء:36) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه) .

ولأجل ذلك فقد ارتحلوا في البلاد مع قلة المؤونة، وعسر وسائل السفر: قال أبو حاتم الرازي -رحمه الله-: "مشيتُ على قدمي زيادة على ألف فرسخ، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا!" (التذكرة للذهبي) . وقال الشعبي لرجل أفتاه: "أعطيناكها بغير شيء، كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة!".

سادسًا: "مَن هو البخاري؟ وما هو صحيحه؟":

هو أمير المؤمنين في الحديث، ارتحل منذ الصغر وتعلم على العلماء الأجلاء، ومِن أبرزهم: مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وابن المديني، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم...

وكان عظيم الهمة في العلم، قال عنه ابن كثير -رحمه الله-: "كان يستيقظ في الليلة الواحدة أكثر من 20 مرة، ويوقد السراج ليكتب الفائدة تمر بخاطره".

وكان البخاري -رحمه الله- آية في الحفظ: لما قدم بغداد أرادوا أن يمتحنوه، فاجتمع عليه علماء بغداد،، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ثم أعطوا كل واحد منهم عشرة أحاديث منها، فألقى عليه الأول العشرة التي عنده، فكان كلما ذكر حديثًا قال له البخاري: لا أعرفه، وهكذا حتى انتهى العشرة من سرد ما عندهم، فصار الجهلاء من الحاضرين يحكمون على البخاري بالعجز والتقصير، وآما العلماء منهم فيقولون: قد فهم الرجل، ثم التفت البخاري إلى الأول فقال له: أما حديثك الأول فصحته كذا، وأما حديثك الثاني فصحته كذا، حتى انتهى من ذكر أحاديثه العشرة، ثم التفت إلى الثاني والثالث وهكذا إلى العاشر، يذكر الحديث المقلوب ثم يذكر صحته!

قال بعض العلماء: ليس العجب من إدراكه الصواب، ولكن العجب كل العجب من سرده الأحاديث على الترتيب الذي سمعه من الممتحنين من مرة واحدة! (التعريف بالكتب الستة لأبي شهبة) .

وأما كتابه الجامع الصحيح؛ فهو كتاب يجمع الصحيح فقط من الحديث، بخلاف الكتب قبله: قال البخاري -رحمه الله-: "كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا بصحيح سنة رسول -صلى الله عليه وسلم- فوقع في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح".

وقد قوي عزمه برؤيا رآها، فقد روي عنه أنه قال: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال: أنت تذب الكذب عن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (التعريف بالكتب الستة لأبي شهبة) .

الجانب الروحي الإيماني عند التصنيف: قال الفربري: "سمعتُ البخاري يقول: صنفتُ كتاب الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا إلا صليت ركعتين واستخرت الله، وتبينت صحته".

مكانة الجامع الصحيح وتقييمه من العلماء: مكث البخاري 16عامًا في تصنيفه، ولما انتهى منه قام بعرضه على العلماء، وقد استحسن شيوخ البخاري وأقرانه من المحدِّثين كتابه بعد أن عرضه عليهم، وكان منهم جهابذة الحديث، مثل: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ فشهدوا له بصحة ما فيه من الحديث، ثم تلقته الأمة بعدهم بالقبول باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله، وأقبل العلماء على كتاب الجامع الصحيح بالشرح والتعليق والدراسة، بل امتدت العناية به إلى العلماء من غير المسلمين؛ حيث دُرس وتُرجم، وكُتبت حوله عشرات الكتب!

الصفحة السابقة الصفحة التالية