شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الركون إلى الظالمين

عصام حسنين • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فليس من العدل والإنصاف، ولا من سمات أهل الحق أنهم يرفضون أمرًا إلا بعد الإحاطة به من جميع جوانبه، لا أن يحيطوه بهالة من الشبهات بالباطل؛ خاصة إذا كانت تتعلق بالدين، ويترتب عليها عمل يظن صاحبه أنه يتقرب به إلى الله، فيسفِك دمًا أو يُسفك دمه أو يُسجن... أو النظر تحت الأقدام دون الرجوع لأهل العلم لاستطلاع الموقف الواجب شرعًا اتخاذه.

ومن أمثلة ذلك: ما يثار حول الدستور من شبهات والتي أغلبها كذب، وجلي جدًّا أن مروجها أحد رجلين: إما مفترٍ أو لم يقرأ الدستور، وإن قرأه لم يتبع القواعد المتبعة للنقد، ومِن ثَمَّ الحكم العادل.

ومِن قواعد العدل: ذكر محاسنه ومساوئه، والموازنة بينهما؛ فإن كان خيره أكثر مِن شره أو عند المقارنة مآلاً بين شره وشر غيره من إعلانات دستورية قد لا نشارك فيها أو العودة إلى دستور "71" الذي فيه الشريعة من مصادر التشريع - كان الواجب اختياره وتقديمه على غيره، وإن كان العكس كان الحكم بالرفض!

وهذه قواعد شرعية يجب مراعاتها لتحصيل المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها.

ومن أخطر هذه الشبهات التي رددها الكثير أن:

"المشاركة في الاستفتاء... ركون إلى الظالمين!"، وقد نُهينا عن ذلك بقوله -تعالى-: ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) (هود:113) .

والجواب عن هذه الشبهة يكون بالرجوع إلى أقوال المفسرين فيها، ثم نرجع إلى الواقع وننظر: هل تحقق الركون أو لا؟

"الركون هو: الإسناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به. قال قتادة -رحمه الله-: لا تودوهم ولا تطيعوهم. وقال أبو العالية: ولا ترضوا أعمالهم. وكله متقارب. وقال ابن زيد: الادهان -المصانعة- وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم. ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ): قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة. قال القرطبي: وهو الصحيح. فإن كانت عن ضرورة وتقية فهو مستثنى. والله أعلم" (اهـ من مختصر تفسير القرطبي 2/ 414) .

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "عن ابن عباس: لا تداهنوا، وعنه أيضًا: هو الركون إلى الشرك... وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم، وقال ابن جرير: وعن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا، وهذا القول حسن؛ أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم".

نخلص مِن ذلك إلى أن الركون هو الاستعانة بالظلمة والطاعة لهم في ظلمهم والرضا بأعمالهم وعدم الإنكار عليهم، وإذا ما نظرنا إلى الواقع وتعاملنا مع المشهد السياسي إلى يومنا هذا نجد أننا أنكرنا الظلم من أي أحد كائنًا مَن كان، وحاولنا بشتى الطرق منعه سواء أيام حكم الإخوان أو لما تأزمت الأمور قبل "30-6" وما بعدها، ووقع القتل والاعتقالات وغيره.

وظهورنا في خريطة الطريق: لدرء المفاسد وجلب المصالح، مثل منع العودة لدستور "71"، والحفاظ على مواد الهوية في الإعلان الدستوري، ومنع استهداف الملتحين والمنقبات في الشوارع وأماكن العمل وغيرها، وحدوث التمييز بين الخطاب العنيف التكفيري والخطاب الدعوي السلمي الذي غرضه تحبيب الناس في الدين ورب العالمين؛ لا تنفيرهم من دينهم.

وللسعي في المصالحة وحقن الدماء، وإخراج المعتقلين "خاصة النساء"، ومنع الاحتراب الداخلي وهدم الدولة! والنصح الدائم لمن بيده القرار، والتعاون على البر والتقوى حتى إن كانوا ظلمة فقد قال -صلى الله عليه وسلم- يوم صلح الحديبية عن مشركي قريش -وهم مَن آذوه وأخرجوه وأصحابه من مكة وقتلوا أصحابه وعمه حمزة وصدوه عن بيت الله الحرام-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) .

ومِن هذا الباب: المشاركة في "لجنة الخمسين"؛ لتحقيق المصالح الشرعية مِن جعل أحكام الشريعة المرجعية العليا للقوانين في البلاد التي تحفظ النظام العام للبلاد وتحكمه بما لا يخالف الشريعة، وقد وفق الله -وله الحمد والمنة- في ذلك مما يبشر بالخير، ونؤمِّل مِن ورائه خيرًا -إن شاء الله-.

ولا علاقة للآية -والحمد لله- بهذه المشاركة؛ فنحن لم نرضَ بظلم وقع، ولا استعنا بظالم لنعينه على ظلمه، ولا رضينا، ولا داهنا، وبيانات الدعوة خير دليل، ومجهودات الحزب في "لجنة الخمسين" أيضًا خير دليل، واسمعوا لتصريحات د."أبو الغار"؛ لتعلموا ذلك!

هذا ما كنتُ كتبتُه بعد قرار الدعوة والحزب بالموافقة علي الدستور، ودعوة الناس للتصويت عليه بالموافقة! واليوم بعد موافقة الدعوة والحزب على دعم المشير "السيسي" في انتخابات الرئاسة بأغلبية كبيرة؛ خرج علينا المخالف للخلاف، ومِن أحسن الظن بنفسه وأساء الظن بإخوانه أو مَن في صدره إحن من شيخ أو داعية بالشبهات نفسها ظنًّا منه أنه بذلك يستطيع أن يهدم الدعوة بشماعة الحزب! وما الحزب إلا ابن للدعوة السلفية.

وهيهات... فالله -تعالى- لا يصلح عمل المفسدين، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-!

وغرض هذه الشبهات الواهية التي تُلقَى هنا وهناك، والحرب التشويهية الدائرة هو: المنع من استكمال خريطة الطريق لصالح جهات متعددة كلها تصب في خراب البلد، وتضييع مصالح العباد، فهناك مَن يسعى للخراب وهو يعلم، وهناك مَن يظن أنه يحسن صنعًا تقليدًا لغيره دون بصيرة، وفي الوقت نفسه يرمينا نحن بدائه! نعوذ بالله!

فيقولون: كيف تنتخبون "السيسي"؟ هذا من الركون للذين ظلموا! كما قالوا مِن قبل كيف تشاركون في "لجنة الخمسين"؟ وكيف توافقون على الدستور؟ هذا من الركون للذين ظلموا... وهم بذلك يرتكبون إثمين: الأول أنهم يقولون في تفسير آيات الله بآرائهم دون اتباع منهج أهل السنة في التفسير، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم"، وعن مسلم بن يسار قال: "إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده".

الصفحة التالية