الركون إلى الظالمين
عصام حسنين • المنهج السلفي
والإثم الآخر -وهو من البهتان-: أن ترمي بهذا الباطل بريئًا؛ فضلاً عمن يسعى لتحقيق مصالح الدين والدنيا، ويدرأ مفاسدهما، فالله المستعان.
وجوابنا عن ذلك هو جوابنا آنفًا، ونزيد: أننا طالبناه برفع المظالم ومنع التجاوزات الأمنية، فهل يسمي النصح وتقليل الشر ركونًا للظالمين؟!
هل يسمى إعمالنا لمقاصد الشريعة في تحصيل مصالح البلاد والعباد، ودرء المفاسد عنهم ركونًا للظالمين؟!
هل يسمى إعمال القواعد الذي ذكرها أهل العلم في ترتيب تولي الولايات ركونًا للظالمين؟!
أما القواعد الشرعية التي اعتمد عليها الأغلبية الكبيرة من هيئة الحزب العليا، وكذا مجلس إدارة الدعوة ومجلس الشورى العام في دعم المشير "السيسي"، فهي:
- مراعاة موازين المصالح والمفاسد.
- مراعاة موازين القدرة والعجز.
- فقه المآل.
- الضرر يزال.
- دفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص.
- تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
- احتمال الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى.
- تحصيل أكمل المصلحتين وإن فات أدناهما.
- مراعاة الأولويات بين المصالح.
- التأني والرفق، وترك العجلة والشدة في غير موضعها.
- الحرص على التوافق بما لا يخالف الثوابت.
- تكثير الخير والصلاح وتقليل الشر والفساد.
- ترتيب المصالح والمفاسد.
- الترتيب الذي ذكره أهل العلم في تولي الولايات.
وهذه قواعد السياسة الشرعية التي في اتباعها الخير والبركة.
وأما تولي الولايات: فلابد مِن رئيس للدولة؛ وإلا صارت أمور الناس فوضى، تُسفَك الدماء وتنهب الأموال، وتُهتك الأعراض، ويأكل القوي الضعيف؛ هذا داخليًّا، وأمّا خارجيًّا: تهون الدولة على الدول الاستعمارية المتربصة "بمصر" قلب العالم العربي والإسلامي النابض، أي ضاعت مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية التي جاءت الشريعة في جميع أحكامها لتحصيلها والحفاظ عليها وزيادتها، ودفع المفاسد عنها أو تقليلها إن ُوجدت.
قال علي -رضي الله عنه-: "لابد للناس من إمارة برة أو فاجرة. فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال: تقام بها الحدود، وتأمن السبل، ويجاهد العدو، ويقسم بها الفيء".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "يجب أن يُعرَف أن ولاية أمر الناس مِن أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا يَحِلُّ لِثَلاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلاةٍ إِلا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .
وأوجب -صلى الله عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله -تعالى- أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل، وإقامة الحج، والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود - لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف -كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهما- يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان" (مجموع الفتاوى "السياسة الشرعية" 28/ 390) .
وأما مَن يقدَّم في الولايات، فيقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ولهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين في ولايته بأهل الصدق والعدل، والأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وفجور، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، قال عمر -رضي الله عنه-: مًن قلد رجلاً على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة مَن هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين، والغالب أنه لا يوجد الكامل في ذلك، فيجب تحري خير الخيرين، ودفع شر الشرين، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس عباد النار؛ لأن النصارى أقرب إليهم من أولئك، وكان يوسف الصديق -عليه السلام- نائبًا لفرعون مصر، وهو وقومه مشركون، وفعل مِن الخير والعدل ما قدر عليه، ودعا إلى الإيمان بحسب الإمكان" (مجموع الفتاوى "الحسبة" 28/ 67) .
وقال أيضًا: "اختيار الأمثل فالأمثل إذا عرف هذا، فليس له -أي: ولي الأمر- أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده مَن هو صالح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب يحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخذه للولاية بحقها؛ فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله، وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله يقول: فاتقوا الله ما استطعتم، ويقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (السياسة الشرعية) .
وقال أيضًا: "وَلا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى ظُلْمٍ; فَإِنَّ التَّعَاوُنَ نَوْعَانِ: الأَوَّلُ: تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِنْ الْجِهَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَإِعْطَاءِ الْمُسْتَحَقِّينَ: فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.