شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الركون إلى الظالمين

عصام حسنين • المنهج السلفي

وَالثَّانِي: تَعَاوُنٌ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، كَالإِعَانَةِ عَلَى دَمٍ مَعْصُومٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ مَعْصُومٍ أَوْ ضَرْبِ مَنْ لا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ... ومَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن:16) ; وَعَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (متفق عليه) . وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلُهَا؛ وَتَعْطِيلُ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلُهَا، فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيل أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَدْنَاهَا: هُوَ الْمَشْرُوع.

وَالْمُعِينُ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ، أَمَّا مَنْ أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيفِ الظُّلْمِ عَنْهُ أَوْ عَلَى أَدَاءِ الْمَظْلِمَةِ: فَهُوَ وَكِيلُ الْمَظْلُومِ; لا وَكِيلُ الظَّالِمِ; بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقْرِضُهُ، أَوْ الَّذِي يَتَوَكَّلُ فِي حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ.

مِثَالُ ذَلِكَ: وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفِ إذَا طَلَبَ ظَالِمٌ مِنْهُ مَالا فَاجْتَهَدَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ بِمَالِ أَقَلَّ مِنْهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الاجْتِهَادِ التَّامِّ فِي الدَّفْعِ ؛ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ... كَذَلِكَ لَوْ وُضِعَتْ مَظْلِمَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مُحْسِنٌ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِغَايَةِ الإِمْكَانِ، وَقَسَّطَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ لِنَفْسِهِ، وَلا لِغَيْرِهِ، وَلا ارْتِشَاءٍ،بَلْ تَوَكَّلَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ وَالإِعْطَاءِ: كَانَ مُحْسِنًا; لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ وَكِيلُ الظَّالِمِينَ مُحَابِيًا مُرْتَشِيًا مَخْفَرًا لِمَنْ يُرِيدُ -أي يدافع عنه- وَآخِذًا مِمَّنْ يُرِيدُ. وَهَذَا مِنْ أَكْبَر ِالظَّلَمَةِ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ هُمْ وَأَعْوَانُهُمْ وَأَشْبَاهُهُمْ ثُمَّ يُقْذَفُونَ فِي النَّارِ" (المصدر السابق) .

قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- معلقًا على قول شيخ الإسلام: "وَالْمُعِينُ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ، أَمَّا مَنْ أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيفِ الظُّلْمِ عَنْهُ أَوْ عَلَى أَدَاءِ الْمَظْلِمَةِ: فَهُوَ وَكِيلُ الْمَظْلُومِ; لا وَكِيلُ الظَّالِمِ؛ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يُقْرِضُهُ، أَوْ الَّذِي يَتَوَكَّلُ فِي حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ...": "هذا كلام يكتب بماء الذهب! ونحن نرجو أن نكون كذلك، بل نسعى في ذلك، والحمد لله".

وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: "فائدة: في تقديم غير العدل في الولاية: إذا لم نجد عدلاً يقوم بالولايات العامة والخاصة قدِّم الفاجر على الأفجر، والخائن على الأخون؛ لأن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، وفي مثله في الشهادات نظر" (القواعد الصغرى 107) .

وهذا من الفقه العظيم لا هوى أو جهالة، وهذا ولا شك من التأكيد على وجوب تولية الأنسب وعدم ترك الناس هملاً بلا سلطان؛ لأن حفظ بعض مصالح الناس أولى من تضييعها!

وبناءً على ما سبق نقول: نحن لا نختار أمير المؤمنين، وإنما نختار رئيس جمهورية مصر العربية الدستورية الحديثة، وهذا ما قلناه عند انتخاب الدكتور "محمد مرسي"، ونقوله اليوم أيضًا حتى لا تقع المفاسد التي ما زالت البلاد تصطلي بنارها إلى يومنا هذا، والاختيار هو لأمثل الموجودين الذي تتحقق به مصلحة البلاد والعباد، وتدرأ به المفاسد عنهم قدر الإمكان، وهذا ما وجدناه في المشير "عبد الفتاح السيسي" الذي نسأل الله أن يوفقه لذلك، وهذا بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع في معرفة الأمثل، وبركة الشورى، و( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) (البقرة:286) .

ثم تفعيل الدستور الذي تحكمه الشريعة يحتاج إلى تكاتف القوى الصادقة المخلصة التي تجتمع وتأتلف على تنفيذ الواجب رويدًا رويدًا.

والله المسئول أن يحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين مِن مكر الماكرين، وكيد الفاجرين.

الصفحة السابقة