المعارك الفكرية "ملهاة عن السياسة" أم "ضرب في الأعماق"؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد: الاستحقاقات السياسية حديث الساعة:
فالاستحقاقات السياسية هي الحدث الأعلى صخبًا، والمستحوذ على اهتمام شرائح أكثر مِن الشعب المصري مِن كافة التيارات، فالجميع يترقب موعد قانون الانتخابات والطعون عليه، والجميع يتساءل عن موعد إجراء الانتخابات القادمة، وعن التحالفات، والقوائم والفرص، و...
وحتى الذين اختاروا سياسة "هدم الدولة!" -نسأل الله أن يهديهم إلى رشدهم وأن يردهم عن غيهم- وبالتالي فهم لن يشاركوا في الانتخابات، بل ولا في الدعوة السلمية بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا في أي شيء مِن هذا القبيل - ومع هذا فشغلهم الشاغل هو هذه الانتخابات؛ لأنهم مشغولون بتعطيلها ضمن مسلسل "هدم الدولة" الذي يتبنونه!
وفي ظل هذا الانشغال الدائم بهذه الأحداث يتعمد البعض أن يفجر كل يوم قضية فكرية جديدة تثير صخبًا وتصبح حديث الناس!
ويذهب المحللون مذاهب شتى في تفسير الارتباط بيْن هذه الزوابع الفكرية وبين تلك الاستحقاقات السياسية؛ هذا مِن جهة، ومن جهة أخرى في العلاقة بين تلك الزوابع الفكرية بعضها البعض، وفي هذا المقال نستعرض أهم معركتين فكريتين مثارتين الآن، ثم نتناول بالتحليل العلاقة بينها وبين الاستحقاقات السياسية.
وهاتان القضيتان هما:
أ- دعوات الاكتفاء بالقرآن أو إخضاع السُّنة للذوق!
ب- العلمانية المُفلسة، ومحاولة "فاشلة" لاستنساخ الدعوة لخلع الحجاب.
المعركة الفكرية الأولى: "دعوات الاكتفاء بالقرآن أو إخضاع السُّنة للذوق!":
الدعوات إلى حرق كتب التراث، وتكذيب كتب السنة والاكتفاء بالقرآن، وهي الدعوات التي يرددها كثيرون، وليس "إبراهيم عيسى" أو "البحيري فقط"، وإن كان الأخير قد تنصل مِن الدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن؛ لعدم قدرته على الدفاع عنها في مناظرته الشهيرة مع الشيخين: "أسامة الأزهري" و"الجفري"، وفرَّ منها إلى دعوى أنه يريد أن يخلِّص السُّنة مِن قيد الإسناد، وأن يعتمد على العقل، وكان صريحًا جدًّا حينما عطف عليه "الذوق!".
إذن فهو يريد إلقاء جميع قواعد علم الحديث المنبثقة مِن قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) ، ويجعل معيار القبول والرد لما نُسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذوق!
ولا يَخفى على عاقل أن هذا المعيار يمكن أن يمرِّر أخبارًا هي مِن رواية الفاسقين أو غير الأثبات الذين أُمرنا برد أخبارهم، بينما يرد أخبار الثقات العدول الذين جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الواحد منهم كافيًا لإقامة الحجة على قبائل بأكملها في أصول الدين وفروعه.
المعركة الفكرية الثانية: "العلمانية المفلسة ومحاولة فاشلة لاستنساخ الدعوة لخلع الحجاب!":
وهي فكرة سقيمة عقيمة تدل على أن العقل العلماني في غاية الإفلاس، فهم يعيشون على نتاج العلمانيين الأوائل، حيث كانت الثقافة الغربية "الوافدة" هي الجاذبة لكثير مِن عقول أبناء المسلمين؛ فأنتج هؤلاء هجومًا شرسًا على "الهوية الإسلامية" ما زالت الأجيال المعاصرة مِن العلمانيين تجتره وتعيش عليه!
وفي هذا الصدد لا بد مِن توضيح نقطتين:
الأولى: أن كثيرًا مِن رموز العلمانية الأوائل في العالم الإسلامي قد تابوا إلى الله؛ فكتم أتباعهم ذلك، ونَشرت الآلة الإعلامية كلامهم حال الانبهار بالغرب، ولم ينشروا بيْن الناس رجوعهم إلى حب إسلامهم وتمجيد تراثهم، وفخرهم بشريعتهم، ومن هؤلاء -على سبيل المثال-: "طه حسين"، كما بيَّن ذلك الأستاذ الدكتور "محمد عمارة" في كتابه: "طه حسين مِن الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام".
الثانية: أنه ومنذ فترة ليست بالقليلة أفلست العلمانية ولم تستطع اجتذاب عقول جديدة إلا فيما ندر، بينما اتجه معظم الشباب الجامعي إلى الاعتناء بالعلوم الإسلامية؛ إما بدراسة متعمقة حتى مِن غير خريجي كليات العلوم الشرعية أو بدرجات دون ذلك، مع وجود تنوع منهجي كبير لدى هذا الجمهور.
المهم أن هذه العلمانية "المفلسة" قد حاولت استنساخ حركة "سعد زغلول" في نزع "النقاب" مِن على وجه "هدى شعراوي!"، غير أن هذا "الاستنساخ" وُلد ميتًا؛ لعدة أمور يمكن أن تتضح مِن خلال عرض الفكرة القديمة التي أرادوا استنساخها.
القصة الأولى لمظاهرة خلع الحجاب:
رغم قِدَم الخلاف في: هل يجب على المرأة ستر جميع بدنها أم يُستثنى الوجه والكفان مِن هذا الوجوب ويكون حكمهما الاستحباب؟ إلا أنه كان يُسمى فقهيًّا بـ"الخلاف في حد عورة المرأة"، وكان أحيانًا يسمى هذا الزي المستجمع للشروط: "حجابًا"، وقلما ترد كلمة "نقاب" اللهم إلا في نهي المُحْرمة أن تنتقب، وهذا في حد ذاته أحد أدلة شيوع ستر الوجه في زمن النبوة، وأن الشرع منع المحْرمة "دون غيرها" مِن إحدى صور تغطية الوجه "وهي النقاب"، مع بقاء مشروعية الإسدال للمحرمة.
المهم أنه مع وجود هذا الخلاف فقد شاع في مصر "الحجاب المتضمن ستر الوجه والكفين"، واشتهر هذا بين الناس باسم "الحجاب".
ثم كانت "موجات التغريب" التي استهدفت -في جميع أطوارها- تعرية جسد المرأة ككل، وإعطائها الحرية الجنسية، وقصر مفهوم الزنا عند مفهوم الحرية الشخصية! وقاد هذه الحملات بعض النصارى، مثل: "لويس عوض" وبعض العلمانيين المتبجحين، مثل: "أحمد لطفي السيد"، بينما تَصدَّى لها في بداية الأمر: "قاسم أمين"، ثم عاد مِن فرنسا ليكتب في إطارها العام، ويناصِر الدعوة لما يسمى بـ"تحرير المرأة!" بحيث يظن القارئ أنه يتفق تمامًا مع كل فحواها مع عدم تصريحه بمصادمة المعلوم مِن الدين بالضرورة، وإن كان لا يرد على قائليها.
وفي هذه الأثناء كانت الريادة الدينية للشيخ "محمد عبده" -رحمه الله-، والذي كانت له جهود جيدة في تجديد دماء الدعوة إلى الله؛ إلا أن الثغرة الرئيسية التي أُتيَ منها، هي: وضعه لموافقة الغرب كأحد أهم المرجحات عند مسائل الخلاف!