شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المعارك الفكرية "ملهاة عن السياسة" أم "ضرب في الأعماق"؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ولما كان الغرب يريد مِن المرأة العري؛ لم يجد الشيخ "محمد عبده" أكثر مِن الانتصار للقول بأن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة، بل لم يكن يشير إلى أن القائلين بأنهما ليسا بعورة يرون أن سترهما مستحب.

ومِن هنا التقط "قاسم أمين" الخيط ليجد لدعوته سندًا دينيًّا، وكأن مشروع حياته هو "كشف وجوه المسلمات" ليس إلا! وأن هذا مِن باب التخفيف عن المرأة! لا سيما وأنها خرجت للدراسة والعمل والثورة، وأخيرًا "تمثيل مصر في المؤتمرات الدولية".

وكان "سعد زغلول" يريد أيضًا أن يعطي للغرب صورة أن مصر المستقلة ستكون أقرب إلى الغرب مِن "مصر العثمانية"، ومِن ثَمَّ هَمَّ برفع "البرقع" عن وجه زوجته "صفية زغلول"؛ إلا أنه تراجع في النهاية حتى استطاع رفعه مِن على وجه "هدى شعراوي" في بداية مؤتمر أُعد لاستقباله بعد عودته مِن تمثيل مصر في فرنسا.

ومِن هذا السياق تتضح الفروق الجوهرية بيْن قصتي خلع الحجاب قديمًا وحديثًا، ومنها:

1- أن الأجواء كانت مُفعمة بآمال استقلال وتقدُّم، وهي فترات تطيش فيها الأحلام، وأن مَن أقدم على هذا؛ رموز هذا الحراك.

2- أن الذي تم خلعه في المرة الأصلية هو "البرقع" وليس "كل الحجاب"، وأن هذا وإن جاء خلال زخم ثوري أُشرب ثوب العلمانية قسرًا "وإلا فإن المنبر الرئيسي لثورة 1919م كان هو منبر الأزهر"، لكنه استند إلى رؤية شرعية فيها جانب مِن الصواب، وهي وجود الخلاف في حكم ستر الوجه والكفين؛ إلا أن ثَمَّ خطأ فادحًا بإهمال أن سترهما لا يقل عن الاستحباب، وبالتالي لا يجوز النهى عنه، بل يستحب الترغيب فيه.

3- أن الغالب على نساء هذا الزمان هو الالتزام بالزي الشرعي دون معرفة المستند الديني، فخال على بعضهن ادعاء أن الحجاب أحد مظاهر تسلط الرجل على المرأة، بينما يغلب على هذا الزمان معرفة أن الحجاب "فريضة" كالصلاة -حتى عند غير المحجبات-، وبالتالي انبرت الكثيرات منهن للدفاع عن الحجاب "نسأل الله أن يهديهن للعمل بما علمن".

وفي هذا الصدد نريد أن نؤكد على فائدتين:

أ‌- في بداية فرض الحجاب على أمهات المؤمنين فوائد، منها: الحرص على الآداب الإسلامية بصفة عامة وليس مجرد ستر الجسد؛ فبدأ الله بضرورة عدم الخضوع بالقول، ثم أمرهن بأعلى درجات الحجاب "وهي القرار في البيت"، وهي واجبة في حق أمهات المؤمنين، مستحبة في حق باقي النساء، وأتى بالصلاة والزكاة في ذات السياق، ثم ختم بالأمر الجامع لذلك كله وهو طاعة الله ورسوله، فقال الله -سبحانه وتعالى-: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (الأحزاب:32-33) .

ثم بيَّن بعدها الحجاب الواجب على جميع المؤمنات بقوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ) (الأحزاب:59) .

ب‌- يشيع بين الناس مفهوم خاطئ، وهو أن المتلبث بذنب ما يعرض عن سماع الأدلة على حرمته، بدعوى أنه متى استمع إلى تلك الأدلة لزمه الإقلاع عن الذنب، وهو لا ينوي ذلك، فمن ثَمَّ يفضِّل عدم معرفة تلك الأدلة ليبقى جاهلاً معذورًا.

وفي الواقع: إن مثل هذا الشخص يوقع نفسه في خطر داهم؛ إذ أن فعل المعصية ذنب، وأما إنكار أنها معصية فقد يكون كفرًا إذا كانت معلومة مِن الدين بالضرورة، وتجهيل النفس بالإعراض عن الحجة بعد وصولها ليس عذرًا ، وهذا قد يحدث في قضية مثل قضية الحجاب، حيث تجد بعض المتبرجات هوى في نفسها في أن تسمع للدعوات الطاعنة في وجوبه، والحمد لله أن الغالبية العظمى مِن غير المحجبات قد فطنَّ إلى هذه السقطة الشنيعة "نسأل الله أن يهديهن إلى الحجاب، وأن يتوب علينا وعليهن".

المعارك الفكرية: "ملهاة عن السياسة" أم "ضرب في الأعماق"؟!

اختلفتْ في هذا السياق وجهات النظر في توصيف حال مَن يفتحون الملفات الفكرية في خِضَم استحقاقات سياسية كثيرة، فذهب الناس فيهما إلى أحد طريقين:

الأول: مَن يرى أنها "ملهاة".

الثاني: مَن يرى أنها "ضرب في الأعماق".

ولكلٍ وجهة نظره، نعرضها فيما يأتي:

مَن يرى أن الحرب الفكرية ملهاة عن الاستحقاقات السياسية:

يرى البعض أن الحرب الفكرية ملهاة عن الاستحقاقات السياسية يقوم بها الفريق الخاسر سياسيًّا، أو مِن بعض الأجهزة التي تتعمد وجود مباراة جانبية "مِن وجهة نظرهم" بيْن أي فريقين، وليكن بين الإسلاميين والعلمانيين، حتى لو كانت مؤسسة "الأزهر" -وهي المؤسسة الدينية الرسمية- داخلة في طرف الإسلاميين الذين يهاجمهم الطرف الآخر، وللمفارقة يصفهم بـ "الوهابية!".

وبناءً على هذا التوصيف يرى هؤلاء أن مِن الكياسة ألا نُعِير تلك المعارك المثارة اهتمامًا، وإلا سنكون كحال ذلك الرجل الذي يشاغله اللصوص بمثل قولهم: "انظر العصفورة!" ولما ينظر يسهل لباقي العصابة أن يقوموا بسرقته.

وإذا كان هذا رأي كثيرين ممن لم يتورطوا في مشروع هدم الدولة؛ فلا شك أن المتبنين لهذا المشروع أكثر قناعة بمؤامرة الملهاة، وأكثر إصرارًا على توصيف ما يحدث بأنه "ملهاة"، وأنهم لا ينبغي "أن يتكعبلوا" في هؤلاء على حد تعبير أحدهم.

ومِن أفحش ما يقع من هذا الفريق -بالإضافة إلى أصل فكرتهم في هدم الدولة- زعمه أن الهدم إنما يكون على رأس مَن يحكم، بينما الهدم لا يكون إلا على رؤوس الناس جميعًا، وهؤلاء في سبيل تهييج الناس على النظام يشيعون كل هذه الشبهات لنسبتها إلى النظام، متغافلين عن أنه -وبغض النظر عن المتهم بها مِن وجهة نظرهم- يجب عليهم أن يردوا هذه الشبهات؛ لا سيما إذا كانوا يساهمون في نشرها.

مَن يرى أن الحرب الفكرية "ضرب في الأعماق":

لا نريد أن نختلف مع أصحاب الفريق الأول في أهداف مَن يحرك هذه القضايا الآن، ولكننا نختلف معهم جذريًّا في توصيفهم لها -مِِن وجهة نظرنا- بأنها "ملهاة" ينبغي أن نعرض عنها!

الصفحة السابقة الصفحة التالية