المعارك الفكرية "ملهاة عن السياسة" أم "ضرب في الأعماق"؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
فإن الخصم إذا شعر بقوتك في معركة ما فيمكن أن يفتعل معك معركة تافهة أو يحاول أن يلفت نظرك إلى تلك المعركة التافهة على طريقة؛ "انظر العصفورة"، كما أن الجيوش التي تشعر بضعف موقفها على الجبهة قد تلجأ لفتح جبهة أخرى تكون هامة جدًّا عند الخصم بحيث يُضطر إلى سحب بعض قواته إليها، بل قد يلجأ إلى ضرب العمق ليجبره على اتخاذ تدابير دفاعية تتعلق بالعمق لخطورته الشديدة الحساسية.
ولنا بعد ذلك أن نحكم على الطعن في السُّنة، ومحاولة هز فرضية الحجاب، والطعن في تراث الأمة وإهانة كل الرموز الإسلامية "بما في ذلك المؤسسة الدينية الرسمية"، هل يندرج عندك تحت باب: "انظر العصفورة" ويكون حله الإهمال؟! أم يندرج تحت باب فتح المزيد مِن الجبهات أو الضرب في الأعماق؛ فيحتاج إلى إعلان حالة الاستنفار العام؟
إن الاستنفار العام في الحرب العسكرية يعني تعبئة الجيش كله، بل الشعب كله لخوض معركة المصير، بغض النظر أن الخصم قد شنها ليخفف الضغط عن نفسه في معركة أخرى.
وكذلك وبدون التنازل عن المكتسبات السياسية التي حققها الشعب المصري بعد "25 يناير"، يجب أن نستنفر الجميع لخوض حرب المصير الفكرية.
لقد استعمل الجميع مع هذه المعارك سياسة الإهمال في أول الأمر، لا مِن باب عدم الدخول في هذه الملهاة، ولكن مِن باب قول السيوطي -رحمه الله- وهو يرد على أسلاف هؤلاء في كتاب "مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة"، حيث قال: "اعلموا رحمكم الله أن مِن العلم كهيئة الدواء، ومِن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة".
ثم قال وكأنه يصف زماننا: "وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسًا بحمد الله -تعالى- منذ أزمان، وهو أن قائلاً رافضيًّا زنديقًا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية -زادها الله علوًّا وشرفًا- لا يُحتج بها! وأن الحجة في القرآن خاصة!".
إلى أن قال: "هكذا سمعتُ هذا الكلام بجملته منه، وسمعه خلائق غيري، فمنهم مَن لا يلقي لذلك بالاً، ومنهم مَن لا يعرف أصل هذا الكلام ولا مِن أين جاء؟ لذا أردتُ أن أو ضح للناس أصل ذلك، وأبيِّن بطلانه، وأنه من أعظم المهالك" اهـ .
الطعن في الحجاب بعد الطعن في السُّنة ضرب متتابع في الأعماق:
إذا كان التمثيل الصحيح للمعارك الفكرية أنها مِن باب الضرب في الأعماق؛ فيبقى الكلام: ولماذا قضية وثانية وثالثة... ؟!
والإجابة واضحة، عبَّر عنها الشاعر بقوله:
لو كان سـهـمـًـا واحدـًا لاتـقيـتـه ولــكــنـه ســهــم وثــان وثـالــث
إلا أن قضية السُّنة تبدو أكثر عمقًا مِن هذا؛ حيث يهدف دعاتها إلى إحداث فراغ تشريعي بإبعاد السنة الشارحة والموضحة والمبيِّنة للقرآن؛ فإن تم لهم ذلك أمكنهم أن يتلاعبوا بنصوص القرآن؛ لأنها ستكون حينئذٍ بدون بيان.
ولكن مِن جملة الغباء الذي يتسم بها هؤلاء في هذا الزمان -والحمد لله رب العالمين- أنهم وقعوا في خطأين:
الأول: أنهم بدأوا في الفروع قبل أن ينضج الأصل -لا أنضج الله لهم كيدًا-.
الثاني: أنهم اختاروا قضية "الحجاب" رغم أنها مِن القضايا المبيَّنة في القرآن؛ فلم ينفعهم فيها ما أصَّلوه مِن الطعن في السُّنة كثيرًا، وإن كان هذا ينبهنا إلى عظيم الخطر مِن أنهم متى تمكنوا مِن قضية السُّنة فسوف يؤولون القرآن وفق أهوائهم، حتى تلك القضايا التي وُجد بيانها في القرآن.
ومِن هنا نفهم تصريح صاحب دعوة مليونية "خلع الحجاب" بأنه أجَّـلها؛ لأن الأمر يحتاج إلى بعض التمهيد المجتمعي!
وهذا هو بيت القصيد.
فهل نستطيع تنظيم دفاعاتنا أم يعودون لنا بهجوم ينتزعون به اليقين مِن بعض شعبنا -المتدين بطبعه وإن رغمت أنوفهم-؟!
سؤال يحتاج إلى أن تكون الإجابة عليه مواصلة الليل بالنهار لتعلم الحق بدليله، ومعرفة شبهات الباطل وردها، وهذا هو جهاد الوقت لمن يسأل عن الجهاد ( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) (الفرقان:52) .
وبالاستعانة بالله والتوكل عليه وتكامل الجهود؛ لن يشغل شيء مِن هذا أبدًا عن الاستحقاقات السياسية أو المشاركة المجتمعية بفضل الله -تعالى-، وحوله وقوته.