بين الأمثال والواقع
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
فالأمثال جمع مثلٍ، والمثـَل: جملة سائِرة بين الناس، تُحفَظ وتَدور على الألسنة، ويُتمثـَّل بِها، أو تُستَخدَم في مواقف جديدةٍ مماثلة للموقف الأول الذي استُخدمت فيه، وقد أكثر العرب مِن استعمال الأمثال، وتفوقوا فيه على سائر الأمم؛ لولعهم بالبلاغة التي تعنى عندهم "الإيجاز".
وأكثر الأمثالِ العربية لَها قصصٌ تُرْوَى في كتب الأمثال، وتُنسَب إلى بعض الشخصيات المعروفة أو المجهولة، كأن تلك الشخصيات هي التي حدثت معها القصة أول مرة، وفي ذلك السياق نطقت بتلك الأمثال لأول مرة، هذا ما يبدو في الظاهر، لكن بعض الباحثين يرى أن كثيرًا من قصص الأمثال هي قصص شارحة، أُلـِّفت ووُضِعَت بعد وِلادة المثل بزمن؛ لتوضيحه وشرحِه، ووضعِه في سياقٍ قصصي يكشفُ عن معناه بنوعٍ من التشويق والصياغة القصصية التي تنطوي على الإمتاع والحيوية؛ بدليل أن معظمها قصص رمزية.
توظيف المثل في واقعة لا تنطبق عليه:
على قدر أهمية الأمثال في توضيح الصورة وحل المعضلات، فإنه يوظـَّف في بعض الأحيان لتمرير تصورات خاطئة؛ وذلك حينما يكون هناك فروق جوهرية بين المثل والقضية موضوع البحث، فيهرب البعض إلى المثل ثم يغلط أو يغالط في تطبيق المثل على واقع آخر.
ومِن أشهر الأمثلة التي يتوارى وراءها البعض؛ ليمنع نفسه أو يمنع أتباعه مِن إعادة تقييم مواقفه، المثل القائل: "أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأَبيَض"، وهو مثل يُكثِر البعض مِن التمثل به على لسان "الدعوة السلفية" و"حزب النور" فيما يتعلق بعزل الدكتور "مرسي"، ونبدأ أولا بذكر قصة المثل، ثم بيان مدى انطباقه على هذه الحالة.
قصة مثل "أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأَبيَض":
كان هناك ثلاثة ثيران يعيشون في غابة: ثورٌ أبيضٌ، وآخرُ أسود، وثالثٌ أحمر؛ وفي الغابَة مع الثيران الثلاثَة أسد لا يستطيع الاهتداء على واحد منها؛ لأنها كانت مجتَمِعة متحدة، فبدأ يفكر في خديعتها وتَفريقها كي تَضْعُف، ويَتَمَكَّن منها واحِدًا وراءَ الآخر، وهَكذا تَقَرَّبَ من الثور الأسود والثور الأحمر، وقال لهما: إن الثور الأبيض بلونه البارِز يدل الناس علينا، ويُشَكِّلُ خطرًا على أمننا، فلونه مشهور ولوني من لونِكُما، فَلَو تَرَكتُماني آكُلُه، لصفا لَنا الجو، وخلا لَنا المَكان، ويبدو أنهما صدقا كلامَه، وانطَلَت عليهِما خدعته، فقالا له: دونَكَ الثور الأبيض فكُلْه، وبَعدَ زَمَن انفَرد الأسد بالثور الأحمر، وقال له: لوني على لَونِك، فَدَعني آكل الأسود، لتَصفُوَ لنا الغابَة، فقال: دونَكَ الثور الأسود فكُلْه، فأكَلَه، ولم يَبقَ في الغابة إلا الأسدُ والثورُ الأحمر.
ثم إن الأسد انفرد بالثورِ المتبقّي، وقال له: لابدَّ أن آكلُك... فقال: دَعني أنادي ثلاثًا، فقال: افعَل، فنادى: ألا إنِّي أُكلتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأبيَض. وردَّدَها ثلاثًا.
وقَد ظلَّت هذه الحكمة مثلاً يضرب فيمَن يَسْمَح للعدو أن ينفردَ بأخيه فيضعف نفسه؛ لأن في الاتحاد قوة، وفي التفرُّق ضعفٌ، والأَسد كما هو واضِح رَمزٌ لكل قوةٍ مستبِدَّة مُخادِعة، تفرِّق الإخوة المتحدين كَي تسود اعتِمادًا على تفرقهم وتمزُّقهم، وليس على قوتها هي فحسب.
فهل ينطبق هذا المثل على موقف "الدعوة السلفية" و"حزب النور" مِن عزل الدكتور "مرسي"؟!
يحلو لكثيرٍ مِن المتابعين؛ لا سيما مِن أتباع "جماعة الإخوان" أو المتعاطفين معها أن يعلِّق على كل هجمة تتعرض لها الدعوة السلفية أو حزب النور باستحضار المثل القائل: "أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض"، ومقصودهم أنه لو كانت الدعوة السلفية وحزب النور قد انضما إلى اعتصام رابعة، أو إلى ما سُمي فيما بعد بـ"تحالف دعم الشرعية"؛ لما أُكل الإخوان، ولما تفرغ المهاجمون بعد ذلك للدعوة السلفية وحزب النور.
بل بلغ الأمر أن البعض يكرر هذا المثل مع كل هجمة على ثوابت الإسلام كتلك التي شنها "جابر عصفور"، والتي تصدى لها "الأزهر" ذاته بالإضافة إلى "الدعوة السلفية" و"حزب النور".
وكزيارة "كريمة" إلى إيران زاعمين أن الدعوة لم تعد قادرة على رفع صوتها بالإنكار كما كانت عليه في عهد الدكتور "مرسي"؛ رغم أن هذا تصرف فردي مِن هذا الرجل وليست سياسة دولة، وأنه أحيل للتحقيق في الأزهر بسببها حتى إنه فضَّل تقديم استقالته، وأنه على الرغم من ذلك كله كان للدعوة السلفية موقف منه جعله يصوِّر الخصومة أنها بينه وبين الدعوة السلفية أكثر منها بينه وبين الأزهر، ولكن البعض يحرِم نفسه مِن المراجعات بالكلية أو يحرم نفسه من المراجعات في زمن تُمكِن فيه المراجعة رافعًا شعار: "أضاعوني، وأي فتى أضاعوا!".
فإذا تعرض الآخرون لأي أذى طبيعي، وربما يكون ثمرة من ثمرات أفعاله؛ تطوع أن يقول على لسانهم: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض!".
ومَن تأمل في المثل الأصلي سوف يجد الثور الأبيض بريئًا تمام البراءة جنى عليه مكر أعدائه وخيانة رفاقه، وذهب مظلومًا عاجزًا عن الدفع عن نفسه، ثم إن الثور البني -أو الأحمر- كرر حماقته وباع الثور الأسود الذي ذهب هو الآخر مظلومًا، والثور البني في كل هذا لا يُدرِك أنه يضعِف نفسه، ويقربها مِن حتفها؛ حتى إذا أدركه الافتراس أرسل هذا التحذير لمن وراءه حتى لا يكرر أحد خطأه.
ولكن هل يَصدق هذا المثل على مَن تورط في صراع لا يحسنه، ومَن تفنن في صناعة الأعداء حتى زاد العدو في عداوته وانقلب الصديق عدوًّا؟!
فلما راجعه رفاقه صاح: "جُذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب!" (وهو مثل لمن يقول: أنا لها، أو نحن رجال هذه المرحلة، وما شابه ذلك!) فليس أمامكم إلا اتباعي؛ فمنهم مَن سار خلفه وهو يعلم أنه يسوقهم إلى حتفهم، ولكن أرهبهم قوة الصوت وجلبته، ورأوا شدة ثقة ذلك المتزعم فظنوا أن وراء الأكمة ما وراءها، فلم ينتبهوا إلا بعد أن أدركهم الغرق في بحر النزاعات؛ فلجأوا إلى قوارب أخذتهم إلى العمق بدلاً من الشاطئ، ولم يحسنوا نفخها ولم يحكموا وكاءها؛ فاستحقوا أن يقال لهم: "يداك أوكتا، وفوك نفخ" (وهو مثل ضُرب لرجل استعمل قربة لينجو بها من الغرق، ولكنه لم يحكم وكاءها فغرقت به فاستغاث، فقيل له ذلك).