شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين الأمثال والواقع

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

أو يقال لهم: "على أهلها جنت براقش" (وهو مثل يضرب لكلبة نبحت على الأعداء ظنـًّا منها أن قومها يريدون منها أن تدلهم عليهم بينما قومها مختبئون من العدو لعلمهم بقوتهم؛ فدلت الأعداء على قومها فقالوا: "على نفسها جنت براقش" كما قالوا: "على أهلها جنت براقش"، ويروى للمثل قصص أخرى هذه أشهرها).

ومع هذا فإن مَن نصحوه لم يتمتموا بمثل هذه الأمثال، بل ظلوا يدعونه إلى التعقل والتريث ومراجعة الأخطاء؛ فيقذفهم بالحجارة ويرميهم بالعمالة، ويأبى عليهم كل عمل إلا اللحاق بزورقه الآخذ في الغرق، وبينما هو يصارع ما جنته يداه اختلف الأعداء الأصليون الذين استعداهم في شأن باقي رفاقه، فمنهم مَن رفع شعار: "كلهم سواء"، ومنهم مَن أظهر عداوة، ومنهم مَن أضمرها، ومنهم... ومنهم...

كل هذا... والثور الأبيض ما زال على زورقه الآخذ في الغرق، ومع هذا يقول مِن باب الإصرار والمكابرة والمعاندة على لسان الآخرين: "أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض!"، ومع هذا فما زلنا ننتظر أن يقفز الثور الأبيض إلى قوارب النجاة الحقيقية، وهى هنا:

- شاطئ: "الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة".

- وشاطئ: "الصبر على أذى الناس".

- وشاطئ: "نحمل الخير لمصر".

ولعل إصرارنا على الدعوة إلى المراجعات والمصالحات، والبحث عن المصالح العليا لبلادنا يجعلنا غرضًا لهجمات مَن يريدونه صدامًا لا ينتهي.

وأما نحن فنظل ندعو الجميع إلى الرجوع إلى تحكيم الشرع، وإلى تعظيم حرمة الدماء، وإلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن شكك هؤلاء في ديننا وشكك الآخرون في حبنا لهذا الوطن، ونحن نسأل الله أن يرزقنا حبه وحب مَن يحبه، وحب العمل الذي يقربنا لحبه، وأن يجعل بلدنا آمنًا مطمئنًا، وقلوبنا نابضة للأمة الإسلامية.

توظيف الآيات والأحاديث في سب الخصوم أخطر مِن توظيف الأمثال:

حكى "علي عشماوي" قائد التنظيم الخاص في عهد الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله- الذي اُتهم مِن قِبَل قادة الجماعة أنه أول مَن اعترف في التحقيقات، وأجبرهم جميعًا بناءً على هذا على الاعتراف - حكى في مذكراته -ذكرياته مع الإخوان- بعد ما اجتمع معهم في السجن (وهذا نقل ننقله بتمامه على عهدة قائله مِن جهة، ولأننا نرى بعض ما يحكيه واقعًا مِن جهة أخرى).

قال "علي عشماوي" في مذكراته:

"يسبونني بالقرآن والحديث:

والحقيقة التي لا أنكرها أن الأيام التي قضيتها مع هؤلاء الإخوة كانت طيبة، ولم يكونوا يوجهون لي أي أذى، وكانوا عونًا لي في الفترة التي بدأ "الإخوان" يؤذونني فيها، وكان إيذاؤهم شديدًا، فقد كانوا يسبونني بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

كنت أينما أسير أسمع مَن يوجِّه إليَّ الشتائم، وكان هذا شيئًا غريبًا، وما زلتُ أستغربه حتى الآن، فكيف يمكن أن تُستعمل آيات الله وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- في السب؟! كنتُ إذا مررتُ أمام أحد منهم أسمعه يتلو: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) (الأعراف:176) ، وتسمع آخر يقول: "وذلك مثال المنافقين!".

وكان هذا أسلوبًا ممجوجًا، ولا أظنه عملاً إسلاميًّا، ولم يكن أمامي إلا احتمال المواقف، ولم أحاول أن أناقش أحدًا في أمر، ولا أسعى إلى التخفيف مِن حدة موقفه، وكان كل ما يقال عني إنني كنت قد اعترفت عليهم "وهي دعوى باطلة ومرفوضة"، ومما يثبت ذلك بالإضافة إلى اعترافهم هم أنفسهم أنه قد جاءني الأخ "عباس السيسي" ونحن في عنبر التأديب في ليمان طرة وسألني سؤالا مباشرًا: "هل تنوي أن تؤيد الحكومة؟! دعنا مما سبق فكلنا اعترفنا، كلنا لم يخفِ شيئًا، وأنت معذور بالتعذيب الذي حدث، لكننا نود أن نتأكد مِن نقطة واحدة، وهي: "هل تنوي الاعتراف بالحكومة وتأييدها في محاولة للخروج من السجن؟!".

وكان ردي: إنني أرفض الشروط، ولو كانت الحكومة سوف تشترط لتحل القضية أن أؤيدها، فأنتم الآن تشترطون لكي نعود إلى صفوف الجماعة ألا نؤيد الحكومة "فهؤلاء اشترطوا، وأنتم اشترطتم، وهنا تساويتم معًا في وسائل الضغط، وأنا لا أقبل الضغط، وهذا الأمر متروك لي في المستقبل وسوف أفكر فيه وأتخذ قراري، ولا أستطيع أن ألتزم مِن الآن بأنني لن أفعل.

ثم قال لي: إنني أعدك إن وعدتني ألا تؤيد الحكومة أن نعتبر ما حدث كأن لم يكن، وأن تعود إلى صفوفنا مرة أخرى وتأخذ مكانتك"، ولكن رفضتُ هذا الأسلوب؛ لأنني أساسًا كنتُ قد ضقت ذرعًا بالأمر كله، وأحسست بخطأ العمل الذي اشتركت فيه، وأحسست بمدى ضعف القادة الذين سلمنا أمورنا إليهم!

كان رفضي للعرض الذي أشار به الأخ "عباس" -وكان مندوبًا عن الإخوان ويحدثني باسمهم- سببًا في اشتداد عمليات الإيذاء، بل إن الأمر قد وصل إلى حد تقنين الإيذاء، وأعني بالتقنين أنه بدأت عمليات الفتوى، وقد صدرت فتوتان:

- أولاهما: أنني كافر وخارج على الجماعة، وأنه ينبغي التعامل معي على هذا الأساس؛ فترتب على ذلك أنهم اعتبروا زواجي باطلاً، وأن زوجتي لابد أن تطلق.

- والفتوى الثانية: إجبار الجميع على أن يقاطعونني.

وكان ذلك أحد الأسلحة التي يشهرها الإخوان دائمًا في وجه مَن يعارضهم أو يخالفهم رأيًا!".

ثم يناقش "علي عشماوي" ما سمعه مِن الإخوان مِن شبهات استندوا إليها في هاتين الفتوتين تجاهه إلى أن قال: "زوجتي تطلب الطلاق:

كان نتيجة تلك الفتوى أن فوجئتُ بأن زوجتي التي كنتُ قد تزوجتها قبل أن أدخل السجن بفترة، وهى شقيقة الأخ أحمد عبد المجيد جاءت تطلب الطلاق، ولم يؤلمني هذا الأمر، فقد كنت أتوقعه، جاءتْ بالمأذون معها، وجلستْ عند مأمور السجن، وتم الطلاق في هدوء، وإمعانًا في الإيذاء والإيلام فإنهم كانوا يقولون لي: إنها لم تطلق لمجرد أنك محبوس! وقد زوجوها بالفعل من أحد الإخوان الموجودين في السجن، وعقدوا العقد وهو مسجون، وكأنهم بهذا يقولون لي: إننا طلقناها لموقفك من الجماعة، ومع هذا فإنني ظللتُ كما أنا لم أسب أحدًا منهم، ولم أتحدث في شأنه، ولم أطعنه مِن الخلف، وكنتُ أرى أنني سوف أقول الكلمة الأخيرة إن شاء الله!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية