حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى- في كتابه الكريم: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) (يوسف:110) .
وما أحوجنا إلى تدبر هذه الآية الكريمة على وجوه قراءتها التي كلها حق ومِن عند الله؛ فكل وجه مِن وجوه قراءتها، وكذا وجوه تفسيرها، فيه ما فيه مِن الفوائد العظيمة التي يحتاجها السائرون إلى الله على طريق الرسل المحفوف بالمكاره والآلام؛ فلنستعرض أولاً ما ورد من وجوه القراءة، وما فيها من وجوه التفسير، ثم نذكر فوائدها.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وفي قوله: ( كُـذبُوا ) قراءتان: إحداهما: بالتشديد ( كُـذِّبُوا )، وكذلك كانت عائشة -رضي الله عنها- تقرؤها. قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله -تعالى-: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) قال: قلتُ: أكُذِبُوا أم كُذُبُوا؟ فقالت عائشة: ( كُذُبُوا ) فقلت: قد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، فما هو الظن؟ قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلتُ لها: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا )؟! فقالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلتُ: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر النصر ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) ممن كذبهم مِن قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك. حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة: فقلتُ: لعلها ( قَدْ كُذِبُوا ) مخففة؟ قالت: معاذ الله! انتهى ما ذكره.
وقال ابن جريح: أخبرني ابن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأها: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) خفيفة. قال عبد الله -هو ابن مليكة- ثم قال لي ابن عباس: كانوا بَشَرًا! ثم تلا: ( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ) (البقرة:214) . قال ابن جريح: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة، عن عائشة: أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن مَن معهم من المؤمنين قد كذبوهم، قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا ) مثقلة؛ للتكذيب.
وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى – قراءة - أنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا )، فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- تقول: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) تقول: كذبتهم أتباعهم، إسناده صحيح أيضًا.
والقراءة الثانية: بالتخفيف، واختلفوا في تفسيرها: فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- ما تقدم.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- فيما رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: أنه قرأ: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره.
وهذا عن ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم-، مخالف لما رواه آخرون عنهما؛ أما ابن عباس: فروى الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك ( فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ).
وكذا روي عن سعيد بن جبير، وعمران بن الحارث السلمي، وعبد الرحمن بن معاوية، وعلي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس بمثله.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثني إبراهيم بن أبي حرة الجزري، قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف؟! فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ). قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كَذَبوا، قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلاً يُدعَى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلاً!
ثم روى ابن جرير أيضًا من وجه آخر: أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه، وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني!
وهكذا رُوي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك، وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف، حتى إن مجاهدًا قرأها: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) بفتح الذال. رواه ابن جرير، إلا أن بعض مَن فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم مَن يعيده إلى الكافرين منهم، أي: وظن الكفار أن الرسل قد ( كُذِبَوا ) مخففة، فيما وعدوا به من النصر.
وأما ابن مسعود؛ فقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن فضيل، عن جحش بن زياد الضبي، عن تميم بن حذلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول في هذه الآية: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) مِن إيمان قومهم أن يؤمنوا لهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم ( قد كُذِبُوا ) مخففة.
فهاتان روايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم-، وقد أنكرت ذلك عائشة -رضي الله عنها- على مَن فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير ووجَّه المشهور عن الجمهور، وزيف القول الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه. والله أعلم" (انتهى كلام ابن كثير) .