حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
فيتحصل من ذلك أن قوله -تعالى-: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) يقرأ على وجهين كلاهما ثابت بلا شك:
الوجه الأول: (كُذِبُوا) وهي قراءتنا المشهورة "قراءة عاصم، وحمزة، والكوفيين وخلف، وأبو جعفر"، وعلى هذا الوجه فله ثلاثة أوجه في التفسير:
الأول: أن الرسل قد ظنت أنها قد كُذِبت، وهذا هو الثابت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود -رضي الله عنهم-، حيث قال ابن عباس: "كانوا بشرًا"، وقال: ( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ) (البقرة:214) .
وهو يوضح معنى الظن هنا عند ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأنه مجرد الخواطر التي تطرأ على القلب ولا تستقر، وهو من جنس ما وقع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في فترة انقطاع الوحي حين هم أن يتردى من فوق جبل، وهذه كلها عوارض البشرية التي تقع للرسل حتى يكونوا قدوة للمؤمنين في دفع هذه الخواطر؛ فهي ظنون مرجوحة مطرودة يجاهدها المؤمن ليصل إلى علم اليقين وحق اليقين، والرسل تصل بعدها إلى عين اليقين؛ حتى إذا وقعت هذه الظنون في نفس المؤمن لشدة الحال لم يقنط من رحمة الله، ولم يخدعه الشيطان عندها أنه قد زال إيمانه، بل هذه طبيعة القلب البشري ومجرد ورود الخواطر لا يمكن منعه ابتداءً، ولا يحاسب عليه الإنسان ما لم يصل إلى الشك، أو أن يظن الظن الراجح بالاعتقاد الفاسد، وهذا الذي أنكرته عائشة -رضي الله عنها- أن تكون الرسل قد ظنت، أي: غلب على ظنها أو اعتقدت ذلك في ربها أو حتى شكت، وهذا مما لا نزاع فيه بين أحد مِن أهل السنة وأهل الإيمان -إن شاء الله-.
ولما لم تكن عائشة -رضي الله عنها- تعلم بهذه القراءة وتوجيهها الذي قاله ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- أنكرتها.
الوجه الثاني: أن بعض أتباع الرسل ظنوا أن الرسل قد كُذِبت، وهذا يحتمل أمرين:
الأول: أن أتباع الرسل من المؤمنين وقع لهم ما ذكر في الوجه الأول، وهو خواطر ووساوس دفعوها -بحمد الله-، وما استقرت في النفوس.
الثاني: أن يكون بعض أتباع الرسل قد فتنوا من شدة الحال، كمن يعبد الله على حرف، ومن يقول آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.
والاحتمال الأول أظهر عندي؛ لأن الله وصف مَن قال: ( مَتَى نَصْرُ اللّهِ ) بالإيمان، فجعل -سبحانه- استبطاء النصر لا ينافي الإيمان؛ فدل على أنه -الذي وقع في نفوسهم- الخواطر؛ وليست الشكوك، ولا الظنون الراجحة، ولا اليقين بالأولى.
الوجه الثالث:
أن أقوام الرسل مِن الكفار ظنوا أن الرسل قد كذبت، وأنه لم يأتها شيء لما استبطأ النصر، وهو هنا الظن الراجح عندهم واعتقادهم الفاسد كما قالت "أم جميل" لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أبطأ عليه جبريل -عليه السلام-: "يَا مُحَمَّدُ مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا . وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) (الضحى:1-3) ، وهو في الصحيحين دون تسميتها "أم جميل".
وأنتَ إذا تأملت أقوال السلف بمجموعها، وعلمت ما يجري في واقع الحال عند المحن والشدائد؛ وجدتَ أن مجموع أقوالهم يصف تفاصيل ما وقع لطوائف مختلفة ونوعيات متفاوتة كلها موجودة في الواقع.
ومَن فتَّش في نفسه وراقب خواطره، واستوعب كذلك ما يقع لإخوانه والناس حوله، خاصة عند الضربات المتتابعة والهزائم المتتالية التي قد تحل بالطائفة المؤمنة في مراحل مواجهتها الأولى مع الباطل، وشدة التفاوت بين القوة الظاهرة للباطل والاستضعاف الشديد للمؤمنين - علم فعلاً أن حقيقة الواقع هو مجموع أقوال السلف، وإن كان في نهاية الأمر بعض الأقوال أليق بظاهر الآية، لكن غيرها ملازم لها غير معارض؛ فأما قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا بشرًا" فيعني أن الرسل قد ظنت -أي جاءتها خواطر- أنها قد كُذِبت؛ ورغم أن هذا يضيق به البعض ويكرهه كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه- لمسروق: "هو الذي تكره"؛ لظنه أنه مخالف لعصمة الرسل واللائق بهم، لكنه والله عند التأمل والتجربة مِن أعظم أسباب الراحة والطمأنينة لعباد الله المؤمنين؛ لأن لهم في الرسل الأسوة الحسنة، وورود الخواطر حتى بظن أن الوحي ما أتاهم أو أن النصر لن يأتي لا ينافي ما ثبت مِن عصمتهم، فإن الخواطر من عوارض البشرية لا دليل على امتناعها على الرسل؛ إنما المنع من الاعتقاد الباطل أو الشك.
أما ورود الخواطر التي يجاهدونها ويدفعونها؛ فأين في الكتاب والسنة أو الإجماع المنع من ذلك؟!
وقد ورد نحو مِن هذا في الكلام على هم يوسف -عليه السلام-، وأما كون هذا من أسباب راحة المؤمنين؛ لأن لحظات الشدة قد يكون معها هذه الخواطر، والتي يتفاوت الناس كثيرًا جدًّا في حجمها ومدتها وبقائها، فمنهم مَن تأتيه كوميض برق مفزع لصاحبه يزول بأسرع ما يكون، ويأتيه بعده برد اليقين ومطر الإيمان المتتابع الذي يثمر في أرض القلب أنواع الخيرات والثمرات الزكية، ويدرك به فضل الله عليه في التثبيت، وأنه لا يملك لنفسه شيئًا، وأنه والله لولا الله ما اهتدى.
وتأمل قول الله -عز وجل- لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً . وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً . إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء:73-75) .
ولا شك أن الركون إلى الكفرة في افتراء غير الحق على الله -عز وجل- هو من هذا الجنس من الخواطر، تزول ولا تستقر، يعرف بها المؤمن اتباعًا لرسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها الله كيف يشاء، ولا يزال دأبه في كل لحظة الالتجاء إلى الله -سبحانه-، والفرار منه إليه، داعيًا متضرعًا له بأن يثبت قلبه على دينه والإيمان به، وأن يصرِّف قلبه على طاعته -عز وجل-.