شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وهذا والله مِن أعظم المعاني؛ فهم عازمون على السير إلى الله، ولو كذبهم الناس كلهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ) (متفق عليه) ، فهم لا يستوحشون من قلة السالكين -بل وانعدامهم- ليكونوا بذلك الأسوة الحسنة لمن يأتي بعدهم من المؤمنين، حين يجدون مَن معهم يتركون الطريق ويتركون نصرة الدين، وتهمهم أنفسهم، ويظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية مِن إنكار القدر، فظن أن الأمور إنما تتم حسب تخطيط الكفار ومكرهم وليس بأمرٍ مِن الله وقدره هو مِن ظن الجاهلية.

وكذلك إنكار الحكمة في حصول التسلط العنيف والضربات المتتابعة مع أن المؤمنين على الحق والكفار على الباطل؛ فيحصل الريب والشك لطوائف، وكذلك ظن اضمحلال الدين، وكل هذا من ظن الجاهلية، وهو الله يقع مِن طوائف عند شدة المحنة، ونسأل الله العافية، فعندما يجد المؤمنون والدعاة والمجاهدون بعض مَن معهم يقع ويسقط في الفتن، يتذكرون حال الرسل الذين استيأسوا مِن إيمان قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم، ومع ذلك فهم عازمون على الثبات والسير في الطريق -ولو وحدهم!-، فيعزمون مثلهم على ذلك، وهذا مِن أعظم وأربح التجارات مع الله -سبحانه-؛ فهو يثاب هذا الثواب بعزمه على السير إلى الله وحده "ولو لم يقع ذلك"، لكن يقدر له ما يظن معه انسحاب كل مَن معه ليعزم على الانفراد لله ثم يأتيه النصر، فيجمع الله له خير الدنيا والآخرة.

وأما إنكار عائشة -رضي الله عنها- للقراءة الأخرى -وهي متواترة عندنا الآن-: فلأنها لم تسمعها مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم تبلغها من طريق تقوم بها الحجة عندها؛ فهي معذورة بعدم البلاغ، ففيه دليل على أن مَن أنكر شيئًا من الدين -بل ومِن القرآن- لم تبلغه الحجة به فهو معذور، ولا عذر لمن بلغته الحجة، والله أعلم.

وبهذا الجمع -بحمد الله- يتضح لك فائدة جمع أقوال السلف في تفسير الآية، وكذا جمع القراءات وتوجيهها، فكل منها يدلك على معنى حق من معاني الإيمان، ويتناول جانبًا من جوانب الواقع يعالج ما يقع في النفوس ويشفي به الله صدور المؤمنين، فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.

وأما قوله -تعالى-: ( جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ) فقرئ: ( نُجِّيَ ) بالبناء للمجهول، وقرئ: ( فَنُنَجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ) فالله هو الذي نجَّى مَن يشاء بفضله ورحمته ومنته، وجاء النصر في أشد لحظات المحنة، وهكذا كانت هذه السورة مِن المبشرات لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقرب الفرج والنصر والنجاة، وقد كان، ونزل بأس الله بالكافرين ( وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ).

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة