شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وهذه الخواطر ليست شكًّا، بل هي مرحلة بين طمأنينة القلب التي سألها إبراهيم -عليه السلام- وبين الشك الذي نفاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن إبراهيم -عليه السلام- حين قال: ( نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ) (متفق عليه) .

وهناك من المؤمنين من تتكرر عليه هذه الخواطر أكثر من ذلك، ويجد بسببها ما أن يخر من السماء أهون عليه من أن يتكلم به، ويظل مجاهدًا لذلك كثيرًا، وهذا صريح الإيمان كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعساه باستمرار الجهاد أن يصل إلى برد اليقين، ومهيمنية الصديقين -مراقبتهم لله-، فتنقطع عنه الوساوس والخطرات، ويلحق بمن سبقه من السابقين بالخيرات.

وإخبار القرآن عن وقوع الخواطر من الرسل وأتباعهم المؤمنين -على الوجهين من التفسير- يبرد في قلوب المؤمنين حر هذا الجهاد، ويثبِّت قلوبهم، ويبشرهم بأن هذا الذي وجدوه لا يدل على انتفاء الإيمان من قلوبهم -وهو أحب شيء إليهم-، وزواله وحصول ضده من الشرك أو التكذيب أكره عندهم من الحرق بالنار، بل إيمانهم -بحمد الله- باق، وعن قريب تزول هذه الخواطر، بل ويزول تسلط الأعداء، ويأتي نصر الله القريب.

وهناك صنف ثالث لا يعرف حقيقة الطريق، ويظن أنه لا يفتن، بل تكفيه دعوى الإيمان! فإذا جاءت المحن والفتن افتتن، وظن أنه ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) (الأحزاب:12) ، وأنه ( غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ ) (الأنفال:49) ، وهذا النوع الذي في قلبه مرض، ولو تأملتَ الآيتين في الأنفال، وفي الأحزاب: ( وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) (الأحزاب:12) ، لوجدتهما يذكران نوعين من الناس: "المنافقين" و"الذين في قلوبهم مرض"، فالمنافقون في الأصل يعتقدون أن الرسل قد كذبت أو عندهم شك في ذلك ابتداءً، وهذا مثل قول مَن قال ظنوا، أي: ظن الكفار أن الرسل قد كذبت، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم الذين كان إيمانهم وعبادتهم على حرف، فعند الفتنة افتتنوا، فهم في الأصل لم يكونوا منافقين النفاق الأكبر، ولكنهم عند الفتنة سقطوا فيه -والعياذ بالله-، ويدلك على ذلك قوله -تعالى-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الحج:11) .

فهو دليل على أنه قبل الفتنة لم يكن منقلبًا، ولم يكن خاسرًا الدنيا والآخرة، وإنما خسر الدنيا والآخرة لما انقلب لما جاءته الفتنة، فكان عنده قبل ذلك إيمان ناقص ضعيف، لا يثبت عند المحن؛ لو شُكك لشك، ولو فتن لافتتن، وهو كحال مسلمة الأعراب -على قول جمهور المفسرين- أنهم لم يكونوا منافقين النفاق الأكبر، وكان في قلوبهم مرض، فهم مسلمون وليسوا بمؤمنين الإيمان الواجب.

وكذا مَن قال الله فيهم: ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا ) (الأحزاب:14) ، ولو كانوا قبل دخول الكفار عليهم المدينة -لو حدث- مِن نواحيها منافقين، لفرحوا بهم، ولما احتاجوا أن يسألوهم الفتنة -أي: الشرك-، بل كانوا يبادرون إليها، وأما هؤلاء فهم يؤتون الفتنة بعد توقف قليل ( وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا )، وهذه النوعية ضعيفة الإيمان موجودة في الصف المُسلِم، ووجودها في المراحل الأولى للدعوة خطر كبير عليها؛ لأن الأوائل هم الذين سيتصدرون بعد حين في قيادة الأمة، بل العالم؛ إمامة وعلمًا، ورواية ودراية، وتربية وتوجيهًا، ودعوة وجهادًا، وملكًا وسلطانًا، فلو بقيت الأمور بلا تمحيص لتصدر مثل هؤلاء؛ فحصل من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فيقدر الله الابتلاء الذي يصل إلى حد اليأس من الناس ومن النفس، وحتى تأتي الخواطر السيئة لأهل الإيمان، وحتى تحصل الفتنة لهذا الصنف من الناس فيتخلف ويتراجع، ويفتن ويشك، وينسحب ويتساقط من الزلزلة؛ فيصفو الصف المؤمن، ويُعرف فيه مَن يصلح ومَن لا يصلح.

وأما الكفار والمنافقون فهم على ظنهم واعتقادهم الفاسد مِن البداية، لكنهم يرون في استبطاء النصر دليلاً على ظنهم، وهذه فتنة لهم ليزدادوا إثمًا وطغيانًا وكبرًا، ثم يأخذهم العزيز المقتدر، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وأقرب الأقوال عندي إلى ظاهر الآية، أن الضمير يعود على أقرب مذكور "وهم الرسل"، وأنهم خطرتْ ببالهم هذه الخواطر التي ثبتهم الله عندها، وصرفها عنهم، ورزقهم برد اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، ثم جاء النصر فكان عين اليقين، نسأل الله أن يرزقنا ذلك باتباعهم والاقتداء بهم.

ومِن لوازم هذا القول: أن أتباعهم المؤمنين قد حدث لهم مثل ذلك، بل وزيادة عليه كما ذكرنا، ومِن لوازمه أيضًا: أن مَن فتن مِن هؤلاء الأتباع، ومَن كان مفتونًا أصلاً من الكفار والمنافقين، تأكد لديهم الظن الكاذب والوهم الفاسد، ظن السوء باضمحلال الدين وهزيمة المؤمنين هزيمة لا نصر بعدها، فجاء النصر بعد ذلك ماحقًا لعقائد المبطلين، ونجاة لعباد الله المؤمنين: ( جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ).

وأما قراءة عائشة -رضي الله عنها- وتفسيرها: ( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) أن الرسل ظنت أن أتباعهم كذبوهم -فهي قراءة ثابتة بلا شك، وهي قراءة نافع وأبي عمرو ويعقوب- والمعنى الذي ذكرته -رضي الله عنها- معنى حق أيضًا، وهو يكمل جانبًا آخر مِن صورة الموقف عند البلاء، وهو أن شدة الأمر تجعل كثيرًا من الناس يفتن حتى يظن الرسل أن أتباعهم الخُلَّص سيلحقون بالمنسحبين المفتونين، وأنهم يبقون وحدهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية