مصرنا بلا عنف
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقضية العنف قضية شائكة جدًّا، وخطيرة للغاية "وكذا فكر التكفير".
والمسألة لها محاور متعددة لا بد أن نكون جميعًا في "مصر" وفي غيرها على بيِّنة منها، وإغفال أحد جوانبها خطر عظيم للغاية، وإذا أردنا فعلاً مصر بلا عنف؛ فلا بد أن تكون المعالجة من جميع الجوانب.
وهناك ثلاثة محاور سنتكلم عنها، وسنفرد واحدًا مِن هذه المحاور بتفصيل أكثر بحكم أنه ألصق بنا، وأهم في توضيح هذا الباب؛ لأنه قد يُنسَب العنف عمومًا في العالم كله اليوم إلى العمل الإسلامي.
وهذه المحاور هي:
1- المحور الأول: أن هناك أسبابًا أدت إلى انحراف فكري ومنهجي لدى فصائل تنتسب إلى العمل الإسلامي، ولا بد أن يكون هناك انتباه شديد جدًّا مِن الجميع لهذه النقاط:
- هناك خطر التعميم: فهناك مَن يحاول أن يصور كل فصائل العمل الإسلامي على أنها فصائل منحرفة، وأنها في حقيقتها تكفيرية وترى العنف ضد المجتمع، وأنها سوف تمارسه، وبعضها قد سار في الطريق، والبعض الآخر سوف يسير قريبًا عندما يتمكن!
- يوجد فعلاً انحراف فكري ومنهجي لدى جماعات متعددة داخل أو منتسبة إلى العمل الإسلامي.
2- المحور الثاني: مَن لهم دور في مؤسسات الدولة، ولا أعني بالدولة الحكومة فقط؛ فالدولة: حكومة، وشعب، وإعلام، وقضاء، وشرطة، وجيش، ومؤسسات مختلفة؛ وهناك داخل هذه المؤسسات مَن يدفع في طريق العنف بممارسات وسلوكيات، وأفكار ينشرها، تؤدي إلى استمرار مسلسل العنف، بل هي في الحقيقة جزءٌ أساسي من الأزمة، وهذه الممارسات مخالفة للشرع أولاً، وللقانون والدستور ثانيًا؛ مما يترتب على استمرارها خطر عظيم جدًّا، ولا بد إذا أردنا أن نعالج أن نهتم بجميع الجوانب.
3- المحور الثالث: هو محور الدفع الخارجي في طريق العنف بطرق مباشرة وغير مباشرة من دول ومنظمات، وأجهزة مخابرات وعصابات تسليح... فهناك مخططات كبرى تُراد للمنطقة ولبلادنا؛ تمهيدًا لمزيدٍ من الانقسام.
ومن الطرق المباشرة: توفير السلاح، فكل مناطق النزاع الأسلحة فيها ليست مِن صنع المسلمين، وإيصال هذه الأسلحة يكون من خلال دول حدودها مفتوحة ومغرقة بالأسلحة، بالإضافة إلى الدفع بجماعات مدربة على إشعال الاقتتال داخل المجتمعات ثبت أنها تُدرَب في منظمات وهيئات، وأجهزة استخبارات ترعاها دول كثيرة.
والبعض يذكرنا بأحداث "محمد محمود" هذه الأيام، ويريد أن يجعلها ذكرى لمزيدٍ من الألم، فنتذكر هذه الأيام، وكيف أن هناك أيادٍ خفية من الأطراف المختلفة تدفع إلى العنف؛ ولذلك تأكدنا أن هناك مَن لا يريد الاستقرار لبلادنا، وهناك مَن يدعم الانقسامات.
وطائرات "الناتو" في ليبيا كانت تضرب قوات القذافي، وفي نفس الوقت تلقي صناديق الأسلحة والذخيرة وكانت تُلقى في الصحراء مجانًا لتقع في أيدي طوائف، وجزء من هذا السلاح تم تهريبه إلى سيناء والصعيد خلال سنوات الاضطراب في مصر؛ فهذا خطر لا بد أن نجتمع جميعًا في مقاومته، وأن نوقف التدخل الأجنبي والاستجابة له في قضية العنف، فهناك مَن لا يعبأ بأن يُقتل الملايين!
والمخططات تدفع إلى عدم استقرار البلاد العربية والإسلامية، وهدفها في النهاية تنفيذ مخططات اليهود الذين حددوا سنة 2020م لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، ولن يتم هذا الأمر إلا مِن خلال العنف داخل البلاد العربية والإسلامية وتقسيمها، وإدخالها في صراعات؛ فلا بد أن نقف جميعًا ضد ذلك، وإلا فهل نقبل أن ينضم أبناؤنا وشبابنا باسم الثورة وباسم الحالة الثورية إلى جماعات خارجية ويتقبل المناهج الدافعة إلى العنف؟!
والفوضى الخلاقة مُعلن عنها منذ سنة 2005م، وتم التخطيط لها قبل ذلك التاريخ على الأقل بعشرين سنة حتى تصل المجتمعات إلى ذلك؛ فنحن لسنا وحدنا في المعادلة ولسنا رقمًا وحدنا.
المحور الثاني: "ممارسات الأنظمة" -وخصوصًا الإعلام الذي يشعل الحرائق والنزاعات في كل المؤسسات-: فهناك الظلم والقهر المخالف للدستور والقانون، وانتهاك حقوق الناس المنصوص عليها في دستور بلادنا -الرائع في هذا الجانب مع ضبطه بشرع الله تعالى-؛ فهناك مَن ينتهك هذه الحرمات في مؤسسات مختلفة، ولا يراعي أن القرار الذي يتخذه باستعمال العنف يترتب عليه ضرر لسنوات طويلة، وكان مِن الممكن حل كثير من المشاكل بأقل الخسائر لو تعامل الكثير ممن هو له دور في المؤسسات المختلفة بطريقة ليس فيها دفع إلى العنف، فإن العنف الذي ظهر في الستينيات وما بعدها بدأ في "سجون عبد الناصر"؛ بسبب الممارسات المنكرة التي كانت تُمارَس داخل السجون، وهكذا أيضًا خلال عهد "مبارك"، فالشباب الذي يئس من كل شيء إلا السلاح، وقال: "لا حل إلا السلاح!"، فهو مع وجود انحراف فكري لديه إلا أنه هناك سبب خطير لا بد من معالجته أيضًا، ولا بد أن تكون المعالجة من جميع الجهات وليست المعالجة الأمنية فقط، خصوصًا مع شدة الفقر والظلم الناشئ عن سوء التوزيع للثروة، والفساد الذي يعم البلاد المختلفة، واستغلال السلطة والنفوذ، والممارسات المنكرة لكثير من الجهات الأمنية التي تخالف الطريقة المنصوص عليها في تعاملها داخل السجون، وخارجها في التعامل مع الناس، ووسائل الإعلام، ومسؤولية المؤسسة القضائية والتي وإن كانت لا رقابة عليها إلا الله -عز وجل-، لكن نُذكرهم بالله أن كثيرًا ممن قد يُظلم في هذا الباب بسبب حكم غير موافق للحقيقة سوف يكون سببًا لمزيدٍ من الانحراف، ومزيدٍ من العنف.