مصرنا بلا عنف
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
ونؤكد هنا أيضًا على خطر التعميم: فلا نقول إن كل مَن في وزارة الداخلية، وكل مَن في المخابرات، والإعلام، والقضاء "ظلمة"؛ لأن هذا خطر عظيم جدًّا، وهو مِن الغلو، ومن أعظم أسباب الانحراف؛ لأن التعميم يترتب عليه أنواع من الأحكام العامة المجملة الخاطئة، ويترتب عليه معاملة للمجتمع كله أو لطائفة من المجتمع كالشرطة والجيش مثلاً أو القضاء بأنهم مُستباحو الحرمات بسبب أن واحدًا منهم -أو حتى مجموعة- ارتكب خطأ أو ظلمًا؛ فيُعمم الحكم بأن كل هؤلاء كفرة أو ظلمة أعداء للإسلام! وهذا التعميم استعمل بسبب وجود بذرة له، لكن استعملها مَن عنده انحراف فكري ومنهجي في إثارة "عاطفة الشباب"؛ خاصة وهذا الشباب يرى أمثلة حقيقية تدفع في هذا الاتجاه، فهناك مَن يريد هدم ثوابت الأمة ويعلن ذلك، بل يريد هدم الدين نفسه؛ فيطعن في الإجماع، والإيمان باليوم الآخر، وينكِر الالتزام بأن الإسلام هو دين الحق ولا دين عند الله سواه، وينكر البخاري ومسلم، ويطعن في الدين، ويطعن في الشريعة، وهذا له دور ويُستغل بالتعميم عند الشباب الذي عنده عاطفة تجاه دينه، فيقال له: "انظر ماذا يقولون؟!".
فنقول: هل كلهم يقولون هذا؟!
هل كل الإعلاميين يكذبون، ويشعلون النيران؟!
لا أستطيع التعميم، لكن هناك مَن يفعل ذلك.
إذن لا بد إذا كنا نريد خيرًا وإصلاحًا أن نعالج قضية العنف؛ ولا بد أن نعالجها من جميع الجوانب، وأن تقوم كل المؤسسات بدورها في إصلاح ما بداخلها، والالتزام بشرع الله -عز وجل- ثم بالدستور والقانون، والصدق والأمانة، والمراقبة لله -عز وجل-، والنظر إلى مصلحة البلد، فهناك للأسف من يُفرطون في مصلحة البلد لمصلحتهم الخاصة الشخصية أو الحزبية أو الوظيفية أو الجاه والمنزلة؛ فلا بد أن نقدِّم بعد شرع الله -عز وجل- مصلحة الوطن ككل فوق الحزب، وفوق الجماعة.
ثم هناك قضية الانحراف داخل فصائل منتسبة إلى العمل الإسلامي:
وفي هذه القضية -أيضًا- نؤكد على خطأ وخطورة "التعميم"، وأنه لا يجوز أن يُعمم الحكم على جميع الناس، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (الأنعام:164) ، فلا يصح أن يعاقَب كل مَن ينتسب للعمل الإسلامي عقوبة جماعية دون أن يكون مرتكبًا لجريمة أو معاونًا على ارتكاب جريمة، وهذا منصوص عليه في الدستور "أن العقوبة شخصية"، ويزيد هذا الانحراف الحاصل خطورة أن الفصائل التي انحرفت هذه المرة فصائل كبيرة، وسيطر على قيادتها اتجاهات فيها انحراف فكري ومنهجي.
أهم معالم هذا الانحراف الفكري والمنهجي:
سأضع "سبعة عناوين"، كلٌ منها يحتاج إلى دراسة تفصيلية؛ وإلا فالجهل بها خطر عظيم جدًّا، فكلنا بحاجة إلى معرفة تلك الأمور "وخاصة النساء"؛ لأن وضع النساء خصوصًا مقلق جدًّا، فجزء كبير مِن الاضطراب والفوضى والعنف تكون النساء عاملاً أساسيًّا فيه، فامرأة واحدة فقط تُجر في الطريق العام؛ فضلاً عن أن تُجرد من ملابسها فلكَ أن تتخيل كم الألم والفوضى والعنف الذي يمكن أن يحدث بسبب ذلك، وبعضهن بسبب وجود هذا الانحراف الفكري لديها تجد أنها هي التي تسعى وتحاول أن يحدث معها هذا الأمر! مثل محاولة البعض الآن في قضية "المصاحف" التي لا يجوز تعريضها بحال للإهانة، وحملها إلى مكان يغلب على الظن فيه حدوث امتهان للمصاحف.
وكذلك على مَن يواجهون هؤلاء الشباب لا بد أن يحذروا؛ لأن المطلوب مِن أجل استمرار مسلسل العنف والتكفير أن تُلتقط صورة لمصحف أُلقي على الأرض أو لجندي أو مسئول وهو يطأ المصحف، فمَن سيقول ساعتها إن هذا بقصد أو بدون قصد؟! ومَن سيقول ساعتها: هل يعلم أنه مصحف أم لا؟ لذلك أحذر مِن أن يقع أحد في هذا "الفخ"؛ لأن البعض يقصد -وهذه نية خبيثة- أن يقول بأن الآخر لا يعرف حرمة المصحف؛ فهناك فخاخ منصوبة.
فمِن أخطر محاور الانحراف لدى هذا الفكر:
1- استعمال مصطلح "المجتمع الجاهلي" مع عدم ضبط الفرق بين جاهلية الكفر وجاهلية المعصية، ثم اختلاف الفصائل المنحرفة في فهم كلمة "المجتمع الجاهلي": هذه الكلمة -المجتمع الجاهلي- مِن المعلوم أن أول مَن استعملها الأستاذ "سيد قطب" -غفر الله له-، فقد استعملها في مواضع مختلفة، وتلامذته مِن بعده اختلفوا في فهمها، وكلمة "الجاهلية" مستعملة في الشرع، فقد قال الله -تعالى-: ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) (الفتح:26) ، وقال -تعالى-: ( يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ) (آل عمران:154) ، وقال: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة:50) ، وقال: ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) (الأحزاب:33) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ) (رواه مسلم) .
فهذه الألفاظ إذن وُجدت في الشرع، ولكن لا بد مِن الفهم الصحيح لها؛ فهناك جاهلية تُفارق الإسلام، وهناك جاهلية تُجامع أصل الإسلام، أما كلمة "المجتمع" فإنها لم تُستعمل في القرآن، ولذلك أصبح لها تفسيرات:
التفسير الأول لهذه الكلمة هو تفسير "شكري مصطفي": وكان تلميذًا للأستاذ "سيد قطب"، حيث فسر كلمة "المجتمع الجاهلي" بالمجتمع الكافر الخارج من الملة كل أفراده؛ جيشًا وشرطة وشعبًا "ماعدا أفراد الجماعة!"، وجماعات التكفير هذه ما زالت موجودة، منهم مَن يحمل السلاح، ومنهم من لا يحمل السلاح، لكن الفكر نفسه فكرٌ خرب، وبسبب هذا التفسير، وهو أن المجتمع "جاهلي" فإنهم يتحوصلون ضده؛ لأنه مجتمع كافر تُستباح فيه الدماء والأعراض، والأموال العامة والخاصة، وللأسف الشديد أن كثيرًا ممن يُمارس العنف في زماننا صار يتبنى هذا المصطلح بهذا المعنى.