شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الالتزام بين الحقيقة والخيال (2)

زين العابدين كامل • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ذكرنا في المقال السابق أننا نعاني من خلل واضح في كثير من جوانب الالتزام، وذكرنا منها: كثرة أوقات الفتور والغفلة وعدم وجود المنهجية في طلب العلم، وأذكر بعض الأمثلة التي توضح لنا كيف كان سلفنا يطلبون العلم، وكيف كانوا يضحون بالغالي والنفيس في سبيل الطلب؛ حتى نتأسى بهم ونسير على دربهم.

قال الإمام الشافعي: "حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين".

قال: "فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تُعطيني أشتري به قراطيس، فكنت إذا رأيت عظمًا يلوح، آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جَرَّةٍ كانت لنا قديمًا".

وقال أيضًا: "لم يكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة (وكانت سنه أقل من ثلاث عشرة سنة)، وكنت أذهب إلى الديوان أستوهب الظهور -أي: ظهور الأوراق المكتوب عليها- فأكتب فيها".

وقال ثعلبة: "ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة ولا نحو خمسين سنة".

وهذا هو الإمام سُليم بن أيوب الرازي أحد كبار أئمة المذهب الشافعي المتوفى سنة 447هـ كان يحاسب نفسه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي عليه بغير فائدة؛ إما ينسخ، أو يدرس، أو يقرأ، وينسخ شيئًا كثيرًا، ولقد حدث عنه الشيخ أبو الفرج الإسفراييني -وهو أحد تلامذته- أنه نزل يومًا إلى داره ورجع، فقال: "قد قرأت جزءًا في طريقي".

قال عمار بن رجاء: "سمعت عَبيد بن يعيش يقول: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تُلقِّمُني وأنا أكتب الحديث".

وكان داود الطائي يستفُّ الفتيت ويقول: "بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية".

ويقول الإمام ابن عقيل: "وأنا أقُصِّرُ بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توافرًا على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها".

وقيل للشعبي: "مِن أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب".

وعن عبد الرحمن بن تيمية قال عن أبيه: "كان الجدُّ إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع".

وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي "صحيح مسلم" على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب.

قال البخاري: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد".

ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن نافع وهو في مصر ليروي عنه حديثًا، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث وركب راحلته، وقفل إلى المدينة راجعًا.

وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب قال: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد".

وقال مالك: "لا ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر".

وقد قال ابن القاسم: "أفضى بمالكٍ طلب الحديث إلى أن نقض سقف بيته، فباع الخشب".

وهذا يحيى بن معين خلَّف له أبوه ألف ألف درهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث حتى لم يبقَ له نعل يلبسه.

وقيل لبعض السلف: "بمَ أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح".

وقيل لآخر: فقال: "بالسفر والسهر، والبكور في السحر".

وقال الخطيب البغدادي: "وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل".

وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعة منهم يبدأون من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح.

وكان محمد بن الحسن الشيباني لا ينام الليل، وكان عنده الماء يزيل نومه به، وكان يقول: "إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد".

وقال الحافظ ابن كثير: "وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريبًا من عشرين مرة".

وقال الإمام النووي حاكيًـا عـن أوائـل طلبـه للعلـم: "وبقيت سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض".

وكان الشيخ تقي الدين منقطعًا للعمل والعبادة، فكان لا ينام الليل إلا قليلًا، فكانت أوقاته معمورة بالدرس والمطالعة والتحصيل، أو الإملاء والتأليف، ورواية الحديث، فإن أراح نفسه من بعض ذلك العناء فلا يُرى إلا قائمًا يصلي في المحراب، أو جالسًا يتلو كلام الله، أو ماشيًا يتفكر في خلق الله،

إن من رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن أُلقي في قلوب سلفنا الصالح الشغف بالعلم والحرص علي مجالسه ليحفظ بهم دينه، ويكونوا أسوة لمن بعدهم، فمن ثم تبوؤوا مناصب الإمامة في الدين، فقد كانوا يزدحمون على مجالس العلم حتى قال جعفر بن درستويه: "كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غد، فنقعد طوال الليل، مخافة أن لا نلحق من الغد موضعًا نسمع فيه".

فانظر أخي الحبيب ... كيف كان سلفنا الأفاضل يطلبون العلم ويحرصون عليه ويصبرون على الشدائد من أجله، كانت أرواحهم وكأنها متعلقة بالعلم الشرعي، لا يهنأون إلا به ولا يشعرون بالسعادة إلا في طلبه، وكم كانوا يحرصون على حفظ الأحاديث والمتون والمجلدات، ولم لا وهم قد عرفوا فضيلة العلم وطلبه وتعليمه للناس؟!

وعن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: ذُكِرَ لِرَسُولِ الله رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله: "إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وعن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" بلفظ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ، وَالفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِن عبادِهِ العُلَمَاءُ".

الصفحة التالية