الالتزام بين الحقيقة والخيال (5)
زين العابدين كامل • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بمستواه التعبدي والعلمي والسلوكي، نلاحظ أن مِن الآفات أيضًا: كثرة أحلام اليقظة بالاشتهار بين الناس، و في الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّع ) (رواه البخاري) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ ): أي في مؤخرة الجيش، يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه، إن كان ليلاً أو نهارًا؛ رغبة في ثواب الله، وطلب ً ا لمرضاته ومحبة لطاعته. وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "وهو خامل الذكر، لا يقصد السمو". وقال الخلخالي: "المعنى ائتماره بما أمر، وإقامته حيث أقيم، لا يُفقد مِن مقامه، وإنما ذكر الحراسة والساقة؛ لأنهما أشد مشقة".
فالإخلاص عزيز، والشعور بالمسؤولية أمر نفيس، والتعلق بالله أمر عظيم، وعلو الهمة أمر بليغ؛ فيا ليتنا نتعلم مِن سلفنا الصالح معنى الإخلاص وكيفية العطاء، ومعنى الشعور بالمسؤولية، وكيف تكون الهمم عالية تناطح السحاب، قال الله -تعالى-: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (هود:15-16) .
وفي الحديث: ( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، قال قتادة -رحمه الله-: "مَن كانت الدنيا همه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة"، "ولما حَاصَرَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حِصْنًا في بلاد الروم، وَأَصَابَهُمْ فِيهِ جَهْدٌ عَظِيمٌ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى نَقْبٍ مِنْهُ، فَمَا دَخَلَهُ أَحَدٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَدَخَلَهُ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي مَسْلَمَةَ: أَيْنَ صَاحِبُ النَّقْبِ؟ فَمَا جَاءَ أَحَدٌ حَتَّى نَادَى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَجَاءَ فِي الرَّابِعَةِ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَا أَيُّهَا الأَمِيرُ صَاحِبُ النَّقْبِ، آخُذُ عُهُودًا ثَلاثًا: لا تُسَوِّدُوا اسْمِي فِي صَحِيفَةٍ، وَلا تَأْمُرُوا لِي بِشَيْءٍ، وَلا تَشْغَلُونِي عَنْ أَمْرِي. قَالَ: فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِكَ. قَالَ: فَغَابَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يُرَ. قَالَ: فَكَانَ مَسْلَمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ فِي ِ صَلاتِهِ: اللهُمَّ احشرني مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ يوم القيامة!".
فهذا الرجل نحن لا نعرفه، ولا نعرف اسمه ولا رسمه، ولكن الله -تعالى- يعرفه، وهذا يكفيه بلا شك، وهو لا يريد منزلة في الدنيا، لكنه أراد منزلة عالية رفيعة عند خالقه -جلَّ وعلا-، وقيمة المرء الحقيقية هي قيمته عند الله -تعالى-.
وعن ثابت البناني عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ -يُقال لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ- كَانَ يُهدِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْهَدِيَّةَ, فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إن زاهِرًا بَادِيَنا, وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ ), قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ, فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ -وَالرَّجُلُ لا يُبصره-؛ فَقَالَ: أَرْسِلْنِي, مَن هَذَا؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ, فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ ), فَقَالَ زَاهِرٌ: تجدُني يَا رَسُولَ اللَّهِ! كاسِدًا, قَالَ: ( لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ ), أَوْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( بَلْ أَنْتَ عند الله غَالٍ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) . فهؤلاء هم سلفنا، ونحن نسير على دربهم، وندعو الله أن نكون مثلهم، وأن يحشرنا معهم بصحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وللأسف فإن كثيرًا مِن الملتزمين يحلمون بالشهرة وارتفاع الشأن بين الناس، وأحيانًا ينظر الأخ إلى نفسه على أن له قدرًا عند الله بما يقوم به من أعمال؛ فينتظر الكرامات، ويستعظم أن ينزل به بلاء! يلازمه الشعور بالأمان، ويخاف على الناس أكثر مما يخاف على نفسه؛ فيظن المسكين أنه محسن، وهم مسيئون، وأنه ناج وهم هالكون، وأنه عالم وهم جاهلون، وأنه عاقل وهم حمقى، وأنه من طلاب الآخرة وهم من طلاب الدنيا.