الالتزام بين الحقيقة والخيال (5)
زين العابدين كامل • التزكية
وعندما تتعدد الجزئيات التي تتضخم داخل الإنسان فإن نفسه تتعاظم وتكبر شيئًا فشيئًا، ومِن ثَمَّ يزداد إعجابه بها وتقديسه لها، وينعكس ذلك على تعاملاته مع الآخرين؛ فتراه يُكثِر مِن نصح غيره ونقده، ولا يقبل نصيحة من أحد، ويحب أن يخدمه الناس ويكره أن يَخدم أحدًا، لا يمل مِن الحديث عن نفسه وإنجازاته، وماضيه، ولو كرر ذلك مئات المرات، وفي نفس الوقت تراه يقاطع غيره ولا يسمح له بالحديث عن نفسه كما يفعل هو، لا يعطي الآخرين حقوقهم من التقدير، ويضيق صدره إذا ما أثنى على أحد غيره، يفرح بسماع عيوب الناس وبخاصة إذا ما كانوا أقرانه!
فما أحوجنا إلى التأمل في قصة صاحب الجنتين؟!
انظر إلى صاحب الجنتين الذي أعجب بما لديه من أموال وجنات، واغتر بها ولم يقبل نصح صاحبه، بل كبرت عنده نفسه حتى ظن أن سيكون له عند الله مكانة في الآخرة خير مما هو عليه في الدنيا ( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ) (الكهف:36) ، وهنا تظهر خطورة الإعجاب بالنفس، إن الإعجاب بالنفس له أثار سلبية، ومخاطر عظيمة، ويكفي في بيان خطورته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعده من المهلكات، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ثلاثٌ مُهْلِكاتٌ: هَوًى مُتَّبِعٌ، وَشُحٌّ مُطاعٌ، وإعْجابُ المَرءِ بِنَفْسِهِ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني) .
قال النووي -رحمه الله-: "اعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العُجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك مَن استكبر حبط عمله" (شرح الأربعين للنووية) .
وقال الله -تعالى- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى ) (البقرة:264) .
فإن قلتَ: ولماذا يحبط العُجب العمل الصالح؟!
فالجواب: لأن الله -عز وجل- لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، والمُعجب يستعين بنفسه أكثر مما يستعين بالله؛ لذلك قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فالمُرائي لا يحقق قولـَه: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )، والمعجب لا يحقق قولَه: ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، فمَن حقق قوله: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) خرج عن الرياء، ومَن حقق قوله: ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) خرج عن الإعجاب" (الفتاوى الكبرى) .
فالعُجب يحبط العمل الصالح الذي قارنه؛ لأنه ينافي الإخلاص لله -عز وجل-، وكان المسيح -عليه السلام- يقول: "يا معشر الحواريين، كم مِن سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العُجب" (منهاج العابدين لأبي حامد الغزالي) .
وأصل الإنسان هو التراب الذي يمشي عليه، والذي لا يساوي في نظره شيئًا مذكورًا، أما بداية خلقه فمن نطفة، لو نظر إليها الإنسان لتقزز منها: ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) (عبس:17-20) ، فأجسادنا لم تخلق وتتكون من معادن نفيسة ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) (الطارق:5) .
وقد حكي أن مطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله- نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال: "يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال المهلب: ألا تعرفني؟ فقال: بل أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة؛ فكيف يعجب بنفسه مَن حاله كذلك؟!". إذن فدوام تذكر الواحد منا لأصله مِن شأنه أن يُبعِد عنه العُجب والخيلاء.
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر، ويقول: خرج مِن مجرى البول مرتين!" (التواضع والخمول لابن أبي الدنيا) ، ومن هنا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يحبون السجود على التراب، وتعفير الوجه به؛ ليتذكروا أصلهم، ويبعدوا الكبر عن أنفسهم.
قال الحسن -رحمه الله-: "مَن خصف نعله ورقع ثوبه، وعفر وجهه لله -عز وجل-؛ فقد برئ مِن الكبر".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ومقت النفس في ذات الله مِن صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله -سبحانه وتعالى- في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو به من العمل" (إغاثة اللهفان) .
وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: "لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب!"، ومشى قوم خلف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال لهم: "ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، وقال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب".
وهذا المَرُّوذي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقول: "ذٌكر أمام ابن حنبل أخلاق الورعين، فقال: أسأل الله -عز وجل- ألا يمقتنا، أين نحن مِن هؤلاء؟!"، "وكان رجل من بني إسرائيل له عند الله حاجة، فتعبد واجتهد ثم طلب من الله حاجته، فلم يرَ نجاحًا، فبات مزريًا على نفسه، وقال: يا نفس، ما لك لا تقضى حاجتك، فبات محزونًا قد أزرى على نفسه، وقال: أما والله ما مِن قِبل الله أوتيت، ولكن مِن قبل نفسي أوتيت، فبات ليلة مزريًا على نفسه وألزم الملامة، فقضيت حاجته" (الزهد للإمام أحمد) ".
ونستكمل في المقال القادم -بإذن الله تعالى-.