الالتزام بين الحقيقة والخيال (8)
زين العابدين كامل • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بالمستوى التعبدي والعلمي والسلوكي للمسلم الملتزم؛ نلاحظ أنه من الآفات أيضًا: "البعد عن العمل الجماعي في مجال الدعوة إلى الله"، فلقد حثَّ الإسلام المسلمين على العمل الجماعي لنصرة الدعوة الإسلامية، وتوحيد الأمة المسلمة، وتحقيق آمالها الكبرى في النهوض والبناء والترقي، وأداء دورها الرباني في هداية العالم إلى نور الله، وقد كثُر ذكر لفظة الجماعة في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد فسَّره العلماء حسب وروده في السنة.
فأحيانًا يُقصد بالجماعة: السواد الأعظم من أهل الإسلام، أو جماعة أئمة العلماء المجتهدين من أهل العلم والفقه والحديث، وأحيانًا أخرى يُقصد بالجماعة: الصحابة -رضي الله عنهم- على وجه الخصوص، ويقصد بها أحيانًا: جماعة أهل الحل والعقد، وأحيانًا تعني الجماعة: جماعة أهل الإسلام، وفي أحوال أخرى يقصد بالجماعة: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير أو إمام لأداء الواجبات الكفائية، ومنذ أن ضاعت الواجبات وجب الاجتماع والتعاون لإقامتها -وهذا النوع هو الذي نعنيه هنا-، ومن معاني الجماعة: الفريق مِن الناس الذي يجتمع على شيء ما كجماعة المصلين في المسجد أو جماعة يتعاونون على نشر الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك.
وقد حرِص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بيان أهمية الجماعة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وفي الحديث عن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا جَمِيعًا وَلا تَفَرّقُوا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .
وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي أيوب -رضي الله عنه-: ( أَلا أَدُلُّكَ عَلَى تِجَارَةٍ؟ ) قَالَ: بَلَى، قَالَ: ( صِلْ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَقَرِّبْ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا ) (رواه البزار، وقال الألباني: حسن لغيره) ، ولما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، قال: ( يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا ) (متفق عليه) .
ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الفرقة: فعن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ ). فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ومِن ذلك أيضًا بعض التوجيهات النبوية في أمر الصلاة: فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَين المنكاكب وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلا تَذَرُوا فرجات للشَّيْطَان، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قطعه الله ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ: ( لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ وذلك مِن باب الحفاظ على وحدة الصف.
وفي هذا دليل على أنه يشرع لكل عددٍ بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمِّروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة مِن الخلاف الذي يؤدي إلى التلف والفرقة والضعف، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة مِن الأرض أو مسافرين؛ فشرعيته لعددٍ أكبر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى، وفي أمثال العرب: "إذا تفرقت الغنم قادتها العنز الجرباء"، وفي الأمثال أيضًا: "بالساعد تبطش الكف، ولن يعجز القوم إذا تعاونوا".
وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "كدر الجماعة خير مِن صفو الفرد".
وقال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:
لولا الجماعة ما كانت لنا سبل وكـان أضعـفـنا نـهـبًا لأقــوانـا
فعلى المبتعدين عن دعوتهم وعن إخوانهم أن يدركوا ويتدبروا مثل هذه المعاني الطيبة؛ فإن روح العمل الجماعي هي الصفة المميزة لنجاح الأمة الإسلامية في الحياة ومواجهتها لكل التحديات، وثمرات العمل الجماعي أعظم وأبقى، والدعوة إلى العمل الجماعي ليست دعوة عصرية حديثة، إنما هي دعوة قديمة؛ لأن الثقة في العمل الجماعي أكبر مِن العمل الفردي، كما أن العمل الجليل والإنتاج الغزير لا يتحققان إلا بطريق العمل الجماعي، وهذا بخلاف العمل الفردي الذي لن يثمر إلا شيئًا يسيرًا مِن الأعمال التي تتناسب مع مستوى طاقة الفرد.