شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الالتزام بين الحقيقة والخيال (8)

زين العابدين كامل • التزكية

وقد كانت هذه قاعدة عامة يطبقها النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل أحواله، فكان يدير الدولة بنفسه، ويشرف على شئون الأقاليم البعيدة عن طريق استعمال عددٍ كبير ممن يجد فيهم الكفاءة مِن أصحابه؛ ففي المدينة "عاصمة الدولة" أشرف النبي -صلى الله عليه وسلم- على إدارتها إشرافًا مباشرًا، وكانت المناطق القريبة من المدينة تابعة إداريًّا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتشير المصادر إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعيِّن نائبًا له على إدارة المدينة في حال خروجه للجهاد أو الحج فيصلي بالناس، ويشرف على تنفيذ متطلبات الناس المتبقين في المدينة؛ وإلا فمَن الذي ينكِر العمل الجماعي، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (المائدة:2) ؟!

فالعمل الجماعي نوع مِن التعاون والتناصر والتآخي على الحق؛ ولذا فهو مشروع مرغَّب فيه لعموم الأدلة الدالة على فضيلة الجماعة والاتفاق والتعاون، ولا يجوز أن يتخذ ذلك ذريعة إلى التحزب والتعصب للأسماء والشعارات، أو رفض الحق وإنكاره حين يأتي من خارج الجماعة، فالعمل الجماعي للإسلام ضرورة، وقد دلت السنن الكونية على قيمة الاجتماع على الحق، ولا ريب أن نصرة الإسلام واجب شرعي، ولا يمكن أن تتحقق هذه النصرة على المستوى المطلوب إلا مِن خلال عمل جماعي، فلا يستطيع فرد أو أفراد متفرقون أن ينهضوا بهذا العبء، وهل الجهاد في سبيل الله يكون إلا بالعمل الجماعي؟! قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:65-66) ، وقال -تعالى-: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) .

فلا ينبغي أمام هذه التحديات التي تواجهها الأمة أن يعمل كل شخص بمفرده؛ فلا بد مِن الوَحدة والاجتماع، والعمل بروح الفريق الواحد، ولكننا ننبِّه على أمر هام، وهو عدم التعصب الممقوت المذموم، والتحزب الذي ينبني عليه الولاء والبراء بسبب الاسم أحيانًا أو بسبب الشيخ المعلِّم أو بسبب المذهب أو البلد أو العائلة أو القبيلة أو الشعب، ولا بد أن نربي الناس على نصرة الحق لا الأسماء والأشخاص، وعندما حدث ذلك بين المهاجرين والأنصار في موقف من المواقف بدعوى الجاهلية نهاهم عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) (متفق عليه) ، من غير أن يلغي اسم المهاجرين واسم الأنصار، وإنما نهاهم عن الجاهلية؛ فهذا هو التوسط الواجب في علاج هذا الأمر، لا كما يقوله البعض بحرمة التسمي بأي اسم مطلقًا سوى اسم الإسلام!

وقد وُجدت أسماء المذاهب نسبة إلى أصحابها مِن حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة، ووجدت كذلك مسميات: كأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، وأهل الكوفة، وأهل المدينة، والشاميين، والعراقيين، والحجازيين، وغير ذلك؛ فلا حرج في المسميات، ولكن الخطر هو التعصب للمسمى على أي وجه كان.

وفي النهاية: نقول ونؤكد على أنه لا مكان للأفراد في ظل هذه التكتلات والكيانات التي نراها؛ فلا بد مِن الإخلاص للدعوة وللمنهج، ووقفة مع النفس؛ لتصحيح المسار، والعودة إلى المنهج النبوي، وسيرة الصحابة -رضي الله عنهم-.

اللهم اجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم.

الصفحة السابقة