شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دلالة الفطرة والعقل والحس على وجود خالق كل نفس (موعظة الأسبوع) (4)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ا لغرض من الموعظة:

- مواصلة التحذير مِن الهجمة الإلحادية التي تتبناها جهات مختلفة "إعلامية وغيرها" لصد الناس عن تعاليم الإسلام ونبذه، وتبني الإلحاد دينًا!

المقدمة:

- التذكير بما سبق بإيجاز.

- تمهيد للكلام عن أن الوحي والرسالات أوردتْ على الملاحدة أدلة أخرى، مثل: "الفطرة - والعقل - والحس".

أولاً: دلالة الفطرة:

- كل إنسان مفطور على الإيمان بالله مِن غير سبق تفكير ولا تعليم: قال الله -تعالى-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (الروم:30) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه) ، ولم يقل: "أو يُسلمانه"؛ لأنه يولد مسلمًا.

- وإذا قيل: لماذا عبد الناس آلهة شتى؟!

فالجواب: المؤثرات المحيطة تغير الفطرة، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ).

- ومع ذلك تبقى الفطرة التي بُدلت وتغيرت كامنة ملحة على صاحبها: قال الله -تعالى-: ( فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ).

- ويظهر ذلك حين تتعامل النفس على سجيتها من غير المؤثرات "ولا سيما عند الشدائد": قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (العنكبوت:65) ، وقال: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ) (الأنعام:40-41) . "ولعل قصة الطائرة التي تعرضت للسقوط، وكيف أن الجميع كان يجأر بالدعاء لله وحده مع اختلاف مللهم أعظم دليل على آثار الفطرة، وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، إشارة إلى ذلك.

- فالنفس البشرية في حاجة إلى إشباع الفطرة بالتآله والتعبد، ولو كابرت فإنها لا تستطيع منع ذلك: "الشيوعيون الملاحدة يمارسون التعبد -الباطل- وهم لا يشعرون، ويناقضون أنفسهم! فإنهم إذا مروا أمام الجثة المحنطة لمؤسس الشيوعية "ستالين" في الميدان الأحمر في ذكرى وفاته، لا بد من الانحناء وإظهار الخشوع والتذلل!".

ثانيًا: دلالة العقل:

- الملاحدة لا يؤمنون إلا بما تثبته العقول، والأدلة على الله أكثر مِن ذلك، ومع ذلك فإن العقول السليمة تثبت وجود الله -عز جل-، وأما عقولهم فشأنها شأن مَن طلب دليلاً على وجود النهار والشمس ساطعة!

قال الشاعر:

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احـتـاج الـنهـار إلـى دلـيـل

- احتج الوحي على الملاحدة بحجة لا بد للعقول مِن الإقرار بها، وهي: "أنه لا بد للمخلوق مِن خالق": قال الله -تعالى-: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ) (الطور:35-36) .

- قال بعض الملاحدة: المصادفة هي الخالق!

والجواب: أن المخلوقات الصغيرة لا يمكن أن توجد صدفة؛ فكيف بهذا الكون الفسيح المتناسق؟!: "لو تناولت عشرة دراهم، وكتبتَ عليها الأعداد مِن واحد إلى عشرة ثم رميتها في جيبك، وخلطتها جيدًا، ثم حاولت أن تُخرِج من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي بحيث تلقى كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى، فإمكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه واحد في المحاولة الأولى هو واحد في المائة، وإمكان أن تخرج الدراهم (4 ،3 ،2 ،1) بالترتيب هو واحد في عشرة آلاف، وإمكان أن تنجح في تناول الدراهم من (1-10) بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات"؛ وعلى ذلك: فكم يستغرق بناء هذا الكون لو نشأ بالمصادفة ؟ ! إن حساب ذلك بالطريقة نفسها يجعل هذا الاحتمال خياليًّا يصعب حسابه؛ فضلاً عن تصوره" (العلم يدعو للإيمان للعالم الأمريكي "كريسي موريسون" نقلاً عن العقيدة في الله للشيخ عمر الأشقر) .

- قالوا: الطبيعة خالقة!

والجواب: أن يقال لهم: ما هي الطبيعة ؟

- فإن قالوا: هي الكون ! فهذا معناه أن الكون خلق الكون، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض!

- وإن قالوا: هي القوانين التي تحكم الكون! فمن خلق القوانين وأوجدها ؟!

- وإن قالوا: هي قوة أوجدت الكون! فهذا صحيح، ولكن هذه القوة تسميتها الصحيحة هي "الله".

- هذه هي الحقيقة، ولكن الإنسان... قال الله -تعالى-: ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ . كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ . فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا . وَحَدَائِقَ غُلْبًا . وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) (عبس:17-31) .

ثالثًا: دلالة الحس:

- المقصود بذلك: النظر العقلي للمخلوقات وإدراكها بالحس، ثم الاستدلال بآثارها وبما فيها من اتفاق وتنوع على وجود الخالق -سبحانه-، قال الله -تعالى-: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) (فصلت:53) ، وهذا يدركه راعي الإبل في الصحراء: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج ألا يدل ذلك على العليم الخبير".

الصفحة التالية