رمضان... مركب النجاة!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعندما يقترب موعد حضور غائب أو مسافر، حبيب إلى قلوبنا؛ فلا شك أننا نأخذ أهبة الاستعداد لحسن استقباله، ونهيئ النفس والبدن للقائه، ويرتدي الصغار أجمل الثياب، وتحمل وجوه الجميع الابتسامة الصافية تعبيرًا عن صدق الحنين إلى لقياه.
وكلما عظمت منزلة هذا العائد إلينا بعد غيابه كلما كان الاستعداد أكبر وأعظم.
و"رمضان" يغيب عنا أحد عشر شهرًا ويعود إلينا محملاً بالبركات والخيرات، والمغفرة والرحمة.
يعود إلينا ليؤلف بيْن قلوبنا ويصلح ذات بيننا.
لينشر بيننا المودة والرحمة، والتسامح والتغافر.
فكيف لا نهيئ أنفسنا لاستقباله؟!
وكيف لا نحسن لقاءه بعد هذا الغياب؟!
وهو مع ذلك ضيف نبيل، وزائر عزيز؛ لا يأتينا فجأة، بل يعلم الجميع موعد حضوره؛ فيقبح جدًّا مع ذلك أن نفرط في حقه علينا!
وكثير مِن الناس ينتبهون بالفعل إلى موعد قدوم رمضان ويستعدون له، ولكن على قدر هممهم ومساعيهم، وصدق الله -تعالى- إذ يقول: ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) (الليل:4) .
فمِن الناس مَن يستقبل رمضان بفتح الجيوب وخزائن الأموال، ويرصد له الميزانية الضخمة؛ رغم أنه حقيق أن يكون شهر التوفير والاقتصاد، وشهر تزكية النفس بترك فضول الطعام والشراب والمباحات، والاعتناء بحاجات القلب والروح والنفس التي لا يسعد المرء إلا بتحقيقها - بل مِن الناس مَن يقترض ويدمن ذلك كل عام أو يدخل في جمعيات ونحوها؛ ليفي بحاجات هذا الشهر الطارئة والغريبة عليه التي فرضتْ نفسها رغمًا عن الجميع لتكون مع رمضان جنبًا إلى جنب؛ فأصبح رمضان في حس البعض ما هو إلا لهو ولعب، وسهر وسمر، وخيام رمضانية -زعموا!-، وولائم أسطورية للأقارب والأصهار والأصحاب تَنتهك الأموال انتهاكًا، وربما أوغرت الصدور إن لم تكن كذلك!
- ومِن الناس مَن يستقبل رمضان بفتح الأفواه التي تُملأ مِن أول الإفطار بأصناف المأكول والمشروب حتى يكاد البعض أن يستلقي عاجزًا عن الحركة؛ ليس مِن جهد الجوع في زمن الصيام، ولكن بسبب التخمة والشبع المفرط الذي هدَّ الجسد وأوهنه عن الحركة والقيام؛ فعلى الموائد أصناف لا تنتهي من أشهى المأكولات والمشروبات، وما لذ وطاب مِن الحلويات والعصائر التي تصير جميعها إلى طريقها المعروف الذي لا يخفى على أحد، وربما تلفتْ كميات كبيرة مِن هذه الأشياء في البيوت والدور دون أن يفكر أحد -إلا مَن رحم الله- بتوزيعها على الفقير والمسكين والمحتاج قبْل تلفها؛ اكتفاءً ببذل هؤلاء للصدقات وبموائد الإفطار التي ربما جلس عليها مَن لا يحتاج!
- ومِن الناس مَن يستعد لرمضان ويستقبله بلهفة وشوق بفتح الأعين والآذان أمام المسلسلات والبرامج واللقاءات التي تقتل رمضان والطاعة في نفوس الصائمين والعابدين إذا انشغلوا بهذا اللهو الماجن في أشرف الأزمان.
- ومن الناس مَن يرى في رمضان موسمًا محدودًا للطاعة والقرب مِن الله أو محطة مِن المحطات، فيعبد الله في رمضان ثم يعود بعد ذلك إلى نقطة البداية وإلى ما كان عليه قبل رمضان؛ ورمضان ليس كذلك، بل هو نقطة انطلاق وارتقاء.
فما فرض الله صيام رمضان إلا لأجل أن يكون زادًا باقيًا ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، وليس زادًا محدودًا أو محصورًا في الأيام المعدودات؛ فرمضان ليس مِن أجل رمضان، وإنما هو مِن أجل بقية العام، بل بقية العمر بأكمله إن أُحسن استغلاله؛ لأن الغرض مِن فرض صيام رمضان بهذه الكيفية والتتابع في هذه الأيام المعدودات هو أن يذوق العبد لذة القرب مِن الله، وحلاوة مناجاته وطاعته؛ فإن مَن ذاق طعامًا طيبًا ود أن لو لم ينقطع عنه؛ فكيف بخير الزاد وأعظم حلاوة؟! والتي مَن ذاقها وعرفها في رمضان لم يفرِّط فيها، ولم يتركها في بقية عامه، بل عمره وحياته.
- فقلة مِن الناس "هم الذي هداهم الله واجتباهم بفضله ورحمته" فوعت ذلك، وأحسنت استقبال رمضان، وامتثلت أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله الشريف: ( تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ, يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
هذه القلة هي التي تفتح القلوب لاستقبال رمضان، وتراه نفحة ربانية لا يشقى بعدها العبد أبدًا إن أصابته.
وترى في رمضان فرصة عظيمة ومنحة جليلة لا تفوَّت.
وتراه مركب النجاة.
فما أحوجنا إلى تلك النفحة... ونحن نصارع بالليل والنهار أمواج الفتن مِن الشبهات والشهوات، والظلمات والغفلة التي يُراد لها أن تُفرض على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها!
ما أحوجنا إلى تلك النفحة... وقد انتشرتْ بيننا الأمراض القلبية، وفشي الظلم والقسوة، والحقد والغل، والحسد والبغضاء، وفساد ذات البين ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) .
ما أحوجنا إلى تلك النفحة... وقد ظهر فينا مِن الأوجاع والأسقام والبلايا ما لم يكن في أسلافنا الذين مضوا مِن قبْلنا.
يأتي رمضان هذا العام وقد ازدادت الفجوة واتسعت الهوة بين فئام مِن الناس بسبب الجهل والهوى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.
وسط كل تلك الأمواج.. يأتينا رمضان.
يأتي رمضان وهو يحمل لنا مركب النجاة وسترات الأمان -لمن أرادها- لنصل إلى بر الأمان.
إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة؛ إذ يتيح لنا إدراك رمضان التعرض لرحمة الله -تعالى- التي جعلها الله في مقدور كل إنسان، فقط ( تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ ).
فقد جعل الله أسباب المغفرة في رمضان كثيرة ومتنوعة:
- مغفرة في الصيام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .