شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في التمذهب (3)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

وقد سَرَت هذه زَمَنًا، ثم اخترقها المصلحون، بل أَصبح الاجتهاد ضرورة فقهية لمستجدات الحياة المعاصرة، يستحيي متعصب مِن القول بهذه المقولة، وهو أَول مَن يجتازها وما هذه المقولة في فسادها، إلا كقولهم: "أَهل الحديث ليسوا فقهاء!" .

وقول الشعوبية للغض مِن العرب: "أَكثر المحدّثين مِن غير العرب!".

وهذه وأمثالها تأتي مِن قصور النظر تارة، والحمية تارة، والتتابع على الغلط تارة، والتفريط تارة، وطريق الِإنصاف: التثبت والوسطية:

فَلاَ تُوغِلَنَ إذا مَا سَبَحْتَ فَإِنَّ السَّلاَمَةَ في السَّاحِلِ

وبذلك يكون قد انتهى هذا المبحث الماتع، والذي دار حول تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل، وسوف نكتفي بهذا القدر مِن هذه السلسلة على الأقل إلى أن ينتهي شهر رمضان المبارك، نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يرزقنا فيه العمل الصالح الخالص لوجهه الكريم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سبقت هذه المقالة مقالتان:

الأولى: تناولتُ فيها الجزء الخاص بتاريخ التمذهب مع بعض الحواشي التوضيحية.

الثانية: نشرتُ فيها كلام دكتور "بكر أبو زيد" في هذا المبحث مجردًا دون تعليقات؛ لغرض بينته هناك.

وفي المقالة نتناول فيها التعليق على باقي المبحث في الكلام على كيفية ضبط التمذهب ليكون نابعًا مِن فقه الدليل.

ومِن الجدير بالذكر هنا: أن صنيع الدكتور "بكر أبو زيد" يدل على أن فقه الدليل عنده ليس قسيمًا لفقه التمذهب، فإما أن تأخذ بهذا أو بذاك، ولكن فقه الدليل عنده هو ما نصره أئمة المذاهب الفقهية المتبوعة؛ لا سيما مدرسة أصحاب الحديث (مالك والشافعي وأحمد، ولم يخرج أبو حنيفة عنهم إلا لتقدمه قبْل زمن جمع السُّنة، وإلا فتعظيمه للدليل كتعظيمهم) أو ما نصره أصحاب الحديث مِن أصحاب المذاهب الفردية، وما نصرته الأجيال الفاضلة الأولى من المتمذهبين بمذاهب الأئمة المتبوعين، ثم بدأ الانحراف يدب شيئًا فشيئًا، وقاوم هذا الانحراف علماء أجلاء، مثل: الخطيب البغدادي، والحافظ ابن عبد البر، حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فكانت تلك الصيحة الشاملة تنادي على المتمذهبة أن يضبطوا تمذهبهم بفقه الدليل، وطبـَّق "شيخ الإسلام" صورة رائعة مِن هذا، والتي لولا شرحه لأحد متون المذهب الحنبلي، وقوله عن الحنابلة أصحابنا لعُد مِن أصحاب المذاهب الفردية، وتابعته على هذا عامة المذاهب الإصلاحية، ومنها مدرسة شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" -رحمه الله-.

ومنها مدرسة العلامة "السعدي" -رحمه الله- والتي تُعد مِن أكثر المدارس المعاصِرة شبهًا بمدرسة ابن تيمية ومؤلفاته، ومؤلفات تلامذته: كالبسام وابن عثيمين شاهدة على هذا.

(2) التاريخ يجب أن يُروى كما هو كوقائع، وأما التحليل فلكل كاتب فيه نظرة، وقد ذكر الدكتور "بكر أبو زيد" فيما سبق التعرض له في المقالة الأولى ظاهرة تفقه عدد مِن التلاميذ على مجتهد بعينه في وقتٍ مبكر، وقرر أن الظاهرة لم تتحول إلى تمذهب بمعناه الكامل إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة الفاضلة، وهو تقرير لم ينفرد به، وهو في تقريره هذا لا ينطلق مِن عداوة للفكرة -كيف وهو متمذهب-، ولكن ينطلق مِن أمانة في حكاية التاريخ، ومنهج دقيق في تحليله؛ وإلا فإن بعض المتعصبين للفكرة المذهبية يعلو بها حتى يزعم أنها وُجدت في عصر الصحابة أنفسهم؛ استدلالاً بوقائع تلمذة أو استفتاء، وعامة فالأمر قريب، ولا يترتب عليه عمل.

وكذلك ما حكاه مِن صور مِن التعصب المذهبي، وهي صور ظلت قائمة حتى العصر الحديث واعترف بها بعض المتحمسين جدًّا لفكرة المذهبية، ومنهم: الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي"، والذي بالغ في الدفاع عن فكرة المذهبية؛ فسمَّى كتابه "اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية!" ويقول في مقدمة الطبعة الثانية مِن كتابه: "فقد كان مِن القراء مَن يذهب في تقليد الأئمة الأربعة مذهبًا يعتمد جُله على العصبية، والابتداع فلا يصلي إن كان شافعيًّا خلف حنفي، ولا يستجيز لنفسه الخروج عن تقليد إمامه في مسألة استقصى فيها أدلة الكتاب والسُّنة؛ فوجد الأدلة في غير جانب مذهبه، فلما قرأ هؤلاء ما كتبته في هذا الموضوع تحولوا عن عصبيتهم، وأدركتهم صحوة النظر والبحث، ووقفوا مِن ذلك عند خط الاعتدال".

والشيخ "البوطي" مِن متعصبة المذهبية، ورغم إنكاره هنا على امتناع صلاة الشافعي خلف الحنفي، ونقله لإجماع متقدمي المذاهب على صحة صلاة أصحاب المذاهب المختلفة خلف بعضهم البعض؛ إلا أنه عاد وقرر أن الشافعي عليه أن يمتنع عن الصلاة خلف الحنفي، مثلًا إذا علم أنه قد مس امرأته ولم يتوضأ؛ لأنه عند المتمذهب بالمذهب الشافعي يصلي بغير طهارة، وهذا الذي قرره البوطي قول مرجوح مِن حيث الدليل، وآثاره الجانبية تصُب في صالح عدم صلاة الشافعي خلف الحنفي فما الذي يجعل الشافعي يغامر بصلاته لو كانت ستبطل إذا كان الإمام قد صافح زوجته وهو خارج إلى الصلاة أو ما شابه ذلك؟ وقد رد متعصبة كل مذهب بصورة يرون فيها بطلان صلاة صاحب المذهب الآخر؛ ليقرروا أن على مقلدهم ألا يصلي إلا خلفهم.

وبالتالي فرواية الدكتور "بكر أبو زيد" لهذه المآسي كان بغرض التحذير مِن تكرارها؛ لا أنه متحامل على المذهبية، وإلا فهو نفسه متمذهب -كما أسلفنا-.

ونحن نعلم أن الدعوة المعاصرة إلى المذهبية صاحبتها دعوة إلى جعل المذهبية نموذجًا للتعددية والتعايش السلمي داخل المجتمعات الإسلامية، وهذا كلام جيد، ولكن قد ينطوي على مخاطر، منها:

1- الدعوة إلى الترخص واتباع زلات العلماء.

2- توظيف بعض الآراء ضعيفة المأخذ في الفقه الإسلامي لمسايرة الحضارة الغربية.

3- الانطلاق مِن هذا القبول للمذاهب الفقهية إلى القبول للمذاهب البدعية في العقيدة والسلوك.

ومِن ثَمَّ فيجب عندما نقرر هذا أن نستحضر ما قرره الدكتور "عمر سليمان الأشقر" مِن أن المذاهب الأربعة وغيرها مِن المذاهب الفقهية السُّنية يمكن بصورة أو بأخرى، ومِن حيث أصولها الكلية اعتبارها مذهبًا فقهيًّا واحدًا؛ هو مذهب أهل السُّنة والجماعة.

(3) يعني بذلك مَن يقول بالرجوع إلى الكتاب والسُّنة دون التقيُّد بفهم السلف للكتاب والسُّنة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية