مناقشات في التمذهب (3)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
(4) تحميل الجمود المذهبي مسئولية انتشار العالمانية، هو مما تعرض له غير واحد؛ لأن جمود الفقهاء في هذه الأزمنة أعطى للطاعنين في الشريعة الفرصة لإيهام الناس أن الشريعة غير قادرة على مسايرة العصر.
(5) مِن هذا يتبين أن التمذهب وجدت بداياته في عصر مبكر ثم استقر بعد القرن الثالث، ودخلته بعض البدع، منها القول بإلزام العامي بمذهب معين بعد القرن الرابع.
(6) هذه القضية مِن أهم ما ينبغي أن تُضبط بها الدراسات المذهبية، ولو اهتم بها دارسو المذاهب لما كان منهم ردة الفعل التي أبداها بعضهم لمجرد أن ترجِّح استدراكًا استدركه عالم على آخر في ذات المذهب فيما ينسب إلى الإمام وما لا ينسب (راجع مقالة حكم حلق اللحية أو الأخذ منها) .
ومَن تأمل هذا عرف معنى قول شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" عن أهم كتب المذهب الحنبلي عند المتأخرين، وهما: "الاقناع" و"منتهى الإرادات" قال: (وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه؛ فضلاً عن نص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ يعرف ذلك مَن عرفه)، ومع ما في العبارة مِن مبالغة؛ إلا أنه يوضحها قوله قبلها: "فهؤلاء الحنابلة مِن أقل الناس بدعة"، ويعني بذلك أن تدرس مِن كتب المتأخرين، ولكن مع إنزال كل مسألة منزلتها، ومعرفة ما يصح نسبته إلى الإمام وما لا يصح، وما خرجه أصحابه في مذهبه وما اجتهدوا فيه استقلالًا، ولم يقل الشيخ هذا مِن قلة اشتغال بهذه الكتب، بل اشتغل بها تدريسًا وتصنيفًا، وله كتاب في فقه المذهب جمع فيه بيْن كتابين مِن أهم كتب المذهب، وهما: "الإنصاف" و"الشرح الكبير" على وجه مختصر، وسماه: "مختصر الإقناع والشرح الكبير"، ولولا تأخر طباعته لكان له شأن بيْن كتب المذهب التي يُعتمد عليها في التدريس.