صوم أصحاب المهن الشاقة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولاً: الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة الواردة في حديث: ( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) .
ثانيًا: شرع الله في الصيام أنواعًا مِن الرخص ، بيَّن القرآن أصلها في قوله -تعالى-: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (البقرة:185) ، وكان مما شرع الله في أول الأمر التخيير بيْن الصوم أو الفطر مع الفدية في قوله -تعالى-: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهٌ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) (البقرة:184) .
وثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن الآية وإن نُسخت في حق عموم الناس إلا أن حكمها قد بقي في حق الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والحامل والمرضع.
وثبت أن الحيض مانع مِن صحة الصيام، وموجب للفطر مع القضاء في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصِلِّ وَلَمْ تَصُمْ، فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا ) (متفق عليه) . ومِن حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: " كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ " (رواه مسلم) .
ثالثًا: لا شك أن في الصيام مشقة، وهذه المشقة إنما شرعت لتحصيل التقوى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) . وقد رخص الله في الفطر في المواطن التي هي مظنة المشقة غالبًا، فصارت هي العلل الظاهرة التي تُضبط بها الرخص، ولا تعطى الرخصة حتى لمن اشتدت به المشقة حتى لا يؤدي ذلك إلى تضييع أركان الإسلام؛ إلا إذا بلغ الأمر إلى حد الضرورة، كما سنبين في النقطة التي تليها.
بل قد كان الصيام شديدًا في أول الإسلام ليبقى هذا حجة على بقية الأجيال؛ فكان لا يباح الفطر إلا فترة وجيزة مِن الليل، مِن المغرب إلى العشاء أو إلى النوم أيهما أقرب، وقدَّر الله أن يسبب هذا جهدًا ومشقة لصحابي جليل وهو قيس بن صرمة -رضي الله عنه- فتحملها، وشرع التخفيف على الأمة ككل بسببه، ولكن حتى بعد هذا التخفيف يوجد مَن يريد التفلُّت، وقصة قيس بن صرمة رواها البخاري عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-، قال: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لاَ، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) (البقرة:187) ، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ ) (البقرة:187) .
وفيه صيامه -رضي الله عنه- مع أنه يعمل في مهنة في غاية المشقة؛ وهي جمع الحطب، وكيف غلبه النوم قبْل أن يطعم فلزمه الصوم حينئذٍ، ومع هذا صام حتى أغشي عليه، وكان في صبره هذا سببًا للتخفيف عن الأمة ككل، وصار هذا التخفيف فيه رفع لكثير مِن الحرج عن الأمة، وعن أصحاب الأعمال الشاقة؛ والذين أصبح لديهم متسع لأن يجعلوا عملهم ليلاً في وقت الإفطار.
رابعًا: في ضوء ما تقدم بحث العلماء قديمًا وحديثًا مسألة أصحاب المهن الشاقة، وبنوا كلامهم فيها على أنه لا توجد رخصة خاصة لهم؛ فلا يرخص لهم في الفطر إلا بالوصول إلى حالة الضرورة التي تبيح ارتكاب المحظور.
وقد جمعت الموسوعة الكويتية أقوال بعض علماء المذاهب في هذه الحالة تحت عنوان: (إرهاق الجوع والعطش) فقالت: (إِرْهَاقُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ: 64 - مَنْ أَرْهَقَهُ جُوعٌ مُفْرِطٌ، أَوْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي (1) . وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَمْرَيْنِ: الأْوَّل: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ، بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، لاَ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ، أَوْ يَخَافَ نُقْصَانَ الْعَقْل، أَوْ ذَهَابَ بَعْضِ الْحَوَاسِّ، كَالْحَامِل وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْهَلاَكَ أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهِمَا.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، وَذَلِكَ لأِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ وَالْمَنَافِعِ وَاجِبٌ (2) .
الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِتْعَابِ نَفْسِهِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ بِهِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَقِيل: لاَ (3) .
وَأَلْحَقَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَرِيضِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى النَّفْسِ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ (4) . وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَمِثْل الْمَرَضِ غَلَبَةُ جُوعٍ وَعَطَشٍ، لاَ نَحْوُ صُدَاعٍ، وَوَجَعِ أُذُنٍ وَسِنٍّ خَفِيفَةٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِأَرْبَابِ الْمِهَنِ الشَّاقَّةِ، لَكِنْ قَالُوا: عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ لَيْلاً، ثُمَّ إِنِ احْتَاجَ إِلَى الإْفْطَارِ، وَلَحِقَتْهُ مَشَقَّةٌ، أَفْطَرَ (5) .