شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صوم أصحاب المهن الشاقة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُحْتَرِفُ الْمُحْتَاجُ إِلَى نَفَقَتِهِ كَالْخَبَّازِ وَالْحَصَّادِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَل بِحِرْفَتِهِ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ قَبْل أَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ.

وَقَال أَبُو بَكْرٍ الآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ، فَإِنْ خَافَ بِالصَّوْمِ تَلَفًا، أَفْطَرَ وَقَضَى، إِنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ بِالْفِطْرِ وَبِتَرْكِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْتِفِ الضَّرَرُ بِتَرْكِهَا، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ (6) .

65- وَأَلْحَقُوا بِإِرْهَاقِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ خَوْفَ الضَّعْفِ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ الْمُتَوَقَّعِ أَوِ الْمُتَيَقَّنِ كَأَنْ كَانَ مُحِيطًا: فَالْغَازِي إِذَا كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ الْقِتَال بِسَبَبِ وُجُودِهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ، وَيَخَافُ الضَّعْفَ عَنِ الْقِتَال بِالصَّوْمِ، وَلَيْسَ مُسَافِرًا، لَهُ الْفِطْرُ قَبْل الْحَرْبِ. قَال فِي الْهِنْدِيَّةِ: فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقِ الْقِتَال فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لأِنَّ فِي الْقِتَال يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِ) انتهى . (مواطن هذه النقول مبينة في حاشية الموسوعة، وقد أثبتناها في حاشية المقالة ليستفيد بها من يريد الرجوع إليها) .

ومِن الفتاوى المعاصرة في هذا الموضوع الفتوى الصادرة مِن الشيخين: "عبد الله بن حميد"، و"عبد العزيز بن باز" - رحمهما الله تعالى- حيث قالا:

"مِن عبد الله بن محمد بن حميد، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى معالي رئيس ديوان مجلس الوزراء حفظه الله تعالى آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

كتابكم رقم 18523 وتاريخ 24\11\1396 هـ وصل وبرفقه توصيات الملتقى العاشر للفكر الإسلامي بالجزائر، وقد طلبتم منا النظر في الفتوى التي جاءت ضمن التوصيات بخصوص ما يرخصه الشرع للعاملين في معامل مركبات الحديد والصلب بالإفطار في رمضان.

ونفيدكم أن الأصل وجوب صوم رمضان، وتبييت النية له مِن جميع المكلفين مِن المسلمين، وأن يصبحوا صائمين إلا مَن رخص لهم الشارع بأن يصبحوا مفطرين، وهم المرضى والمسافرون ومَن في معناهم، وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، ومَن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومَن لم تحصل له ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية مِن الكتاب والسُّنة، وما دل عليه كلام المحققين مِن أهل العلم من جميع المذاهب، وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب أعمال شاقة كالمسألة المسئول عنها أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان؛ فلا يكلفوهم مِن العمل -إن أمكن- ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان بأن يجعل العمل ليلاً أو توزع ساعات العمل في النهار بيْن العمال توزيعًا عادلاً يوفقون به بيْن العمل والصيام.

أما الفتوى المشار إليها فهي في قضية فردية أفتوا فيها باجتهادهم مشكورين؛ إلا أنه فاتهم ذكر القيود التي ذكرنا، والتي قررها المحققون مِن أهل العلم في كل مذهب، نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

وقد تضمنتْ هذه الفتوى أمورًا:

أ- أن الواجب اتخاذ التدابير التي يمكن بها لأصحاب هذه الأعمال الصوم.

ب- أن الواجب على مَن يعمل بهذه الأعمال أن يبيِّت النية مِن الليل؛ لأنه ليس مِن أهل الأعذار.

ت- أنه لا يصرَّح له بالفطر إلا إذا بلغ حد الضرورة.

ث- أنه يتناول ما تندفع به الضرورة ثم يمسك إلى المغرب، ويجب عليه القضاء، وتعليل هذا أنه رغم أن صيامه قد فسد بتناول المفطرات إلا أنه بتناولها قد زال إرهاقه، ومِن ثم زال عذره فوجب عليه الإمساك احترامًا للشهر رغم أنه مطالب بالقضاء.

خامسًا: وإذا كان هذا في شأن عمال مصانع الحديد والصلب ففي شأن الامتحانات مِن باب أولى ، ومما جاء بشأنها في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز -رحمه الله- :

(السؤال: هل الامتحان عذر يبيح الإفطار في رمضان؟ لأنه انتشرت عندنا بعض الفتاوى بإباحة الفطر في رمضان لمن خاف شرود ذهنه وعدم تركيزه، وهل يجوز طاعة الوالدين في الفطر لسماعهم هذه الفتاوى التي تجيز الفطر؟

الإجابة:

الامتحان المدرسي ونحوه لا يعتبر عذرًا مبيحًا للإفطار في نهار رمضان، ولا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار للامتحان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة بالمعروف، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم).

سادسًا: انتشرت في الآونة الأخيرة فتوى لدار الإفتاء المصرية يُفهم منها الإفتاء بالفطر بغير القيود المبينة في كلام أهل العلم ، وتصدى الشيخ "علي جمعة" مفتي الجمهورية السابق لتوضيحها؛ ومما قال إنه لا يباح الفطر في هذه الأحوال إلا "لمن يقع مِن طوله" وبيَّن أن هذا في حق أصحاب الأعمال الشاقة والطلاب، ومِن باب أولى في حق لاعبي الكرة؛ حيث كان قد تردد في سنوات بعض الفتاوى التي تعتبر لاعبي الكرة مِن ضمن الأعمال الشاقة، وهو لا يصح من جهة إمكان الاستغناء عنها؛ فضلاً أن أصحاب الأعمال الشاقة التي لا يمكن الاستغناء عنها يجب عليهم الصوم، وإنما يرخص لمن يبلغ الإعياء به مبلغًا يستجلب عليه ضررًا فيتناول ما يسد به رمقه، ثم يمسك ويقضي على النحو المبين في الفتاوى السابقة.

وفق الله المسلمين إلى تعظيم هذا الشهر الكريم والقيام بحقه. اللهم آمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القوانين الفقهية ص 82، والدر المختار 2 / 116، 117.

(2) جواهر الإكليل 1 / 153، والقوانين الفقهية ص 82، وانظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 374.

(3) مراقي الفلاح ص 374.

(4) حاشية البجيرمي على الإقناع 2 / 346.

(5) حاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 64.

الصفحة السابقة الصفحة التالية