عدوانٌ في رمضان وفي البيت الحرام... ما أحوجَكم إلى الدين والعلم والأدب!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كشفتِ الأحداث الماضية في السنوات الأخيرة التي مرَّتْ بها "مصر" -مع مرارة كثيرٍ مِن الوقائع والأحوال فيها- ما عليه الشعب المصري مِن تدين سُنـِّي فطري، حيث بدا ظاهرًا للعيان ما عليه شعب مصر مِن عاطفةٍ جياشةٍ ومحبةٍ لكل ما هو إسلامي، وانجذابٍ لكل مَن يرفع راية الكتاب والسنة... والانحياز في كل موقفٍ ومَشهدٍ إلى صف الإسلام ومَن يرى أنهم يمثـِّلونه، وقد قاسى هذا الشعب وعانى لأجل ذلك -ولا يزال- مِن نهج بعض الفصائل والجماعات التي ظنَّ فيها الخير، وأنها ستأتيه بالبركة، وأنها تحمل مشروع النهضة بالبلاد والعباد؛ فما وجد منها إلا الصلف والغرور والكبر، وخطاب التفجير والتكفير، والتفسيق والتخوين لكل مَن يخالفها ويخرج عن طوعها!
وكان ينبغي على مَن أراد نصحًا لبلده وأمته وعشيرته أن يستثمر هذا الخير في نفوس الناس، وأن يشعر بآلامهم ومصائبهم، ويعمل على التخفيف عنهم، وعلى مزيد قربهم مِن الله -تعالى-؛ لا أن يعمل على كيدهم والانتقام منهم، ومعاقبتهم على المطالبة بحقوقهم المشروعة من تسيير أمور حياتهم ومعيشتهم التي يعجز عن القيام بها.
فقاتل الله الجهل والهوى!
وكان المنتظر ممن يَرفع شعارات الانتصار للإسلام والتمكين له "وأنه الجماعة الأم! - وجماعة المسلمين! - و... !" - أن يكون أكثر الناس التزامًا بكتاب الله -تعالى- وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن رأينا مِن هؤلاء غير ذلك؛ بسبب عدم التربية والتزكية وفق كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فنتج عن ذلك كثير مِن الأمراض المدمِّرة والمُهلكة، والتي مِن أشدها خطرًا: "التطاول على العلماء وأهل الفضل والدين!".
مما ينذر بخطر داهم وشر مستطير يهدد سلامة المجتمع وأمنه إن لم تُتدارك هذه الأمراض بعلاج نافع ودواء ناجع، ومواجهة دعوية شاملة؛ سلاحها: العلم والحكمة والحجة مِن الكتاب والسنة، مع تصدٍ لهجمات المعتدين والآثمين والمجترئين على حرمات الله -تعالى-؛ وإلا فسيعاني المجتمع بأسره مِن هذه الأمراض والسلوكيات الآثمة؛ خاصة وأنها صادرة ممن ينتسب إلى ميدان العمل الإسلامي -بل يرى نفسه المتحدث باسمه، والراعي الرسمي والحصري له!-، ويظن أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن مجرد النية -إن خلصتْ وسلمتْ- ومجرد الانتساب لجماعة ما يسوِّغان له أن يفعل ما يشاء، ويظن نفسه ناصرًا ومعينًا للإسلام وداعيًا إلى الله، وهو لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يعرف ما يلزمه مِن عقيدة وعمل وتزكية واتباع لكتاب الله -تعالى- ولسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفهم لهما بفهم سلف الأمة -رضي الله عنهم-.
وعامة هؤلاء ما عندهم إلا عواطف زائفة خادعة؛ يا ليتها ما ضرَّت إلا أصحابها وحدهم! ولا اُستبيح بها الكذب والفجور والتكفير والإفساد في الأرض، ولكن للأسف أصبح حال هؤلاء كحال أهل البدع الذين يجعلون السبَّ والشتم والعدوان دينًا وإيمانًا، وقربة يتقربون بها إلى الله! ولا أضر على الإنسان مِن الجهل بالله وشريعته.
- قال الإمام الذهبي -رحمه الله- في ذم نوع مِن أهل الجهل: "قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يُتقِنوا منه سوى نزرٍ يسيرٍ؛ أَوهمُوا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُر في أذهانهم قط أنهم يتقرَّبون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدَى به في العلم ؛ فصاروا همجًا رَعاعًا، غاية المدرِّس منهم لأن يحصِّل كتبًا مُثَمَّنَة يَخزُنُها، وينظُر فيها يومًا ما، فيصحفَّ ما يُورده ولا يُقَرِّره، فنسأل الله النجاة والعفو" (سير أعلام النبلاء) .
- وقال العلامة صالح الفوزان -حفظه الله-: "إن وجود المثقفين والخطباء المتحمسين لا يعوِّض الأمة عن علمائها، وهؤلاء قُراء وليسوا فقهاء، فإطلاق لفظ العلماء على هؤلاء إطلاق في غير محله، والعبرةُ بالحقائق لا بالألقاب، فكثيرٌ مَن يجيد الكلام ويستميلُ العوام وهو غير فقيه، والذي يكشف هؤلاء أنه عندما تحصلُ نازلة يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، فإن الخطباء والمتحمسين تتقاصر أفهامهم، وعند ذلك يأتي دور العلماء، فلننتبه لذلك، ونُعطي علماءنا حقهم، ونعرف قدرهم وفضلهم، ونُنزل كلاً منزلته اللائقة به" (الدر الثمين في وجوب توقير العلماء) .
- "فليس كل قارئ للعلوم الشرعية يُعد فقيهًا، وليس كل مَن ملك مكتبة كبيرة مِن شتى الفنون، يعتبر إمامًا، ولا كل مَن تخصص في العلوم الإنسانية يكون عالمًا بالشريعة والفقه؛ فالقراءة والوعظ والبلاغة شيء، والفقه والاستنباط ومعرفة أحكام النوازل شيء آخر، فالمفكر -وربما الواعظ- لا يصدق فيهم مسمَّى العالم، ولا يصح أن يُطلق عليهم علماء" (موسوعة الأخلاق لخالد بن جمعة الخراز) .
- فأنى لهؤلاء الأدب وبعض شيوخهم ومربيهم -وهو الأستاذ وجدي غنيم- يسأله أحد أتباعه ويقول له: إنه اعتاد سبّ "فلان" وشتيمته؛ فماذا يصنع في رمضان وهو صائم؟ فأجابه: "أنتَ مأجور على هذا السب والشتم!".
- وأنى لهؤلاء العلم بدين الله -تعالى- وشريعته، وبعض شيوخهم -وهو الدكتور محمد عبد المقصود- يسأله بعضهم: ما حكم صلاة التراويح خلف مَن ينتمي إلى "حزب النور" لكثرة المساجد التي يتواجد فيها هؤلاء في مصر؟ فكان جوابه له مفاده: "صلِّ الفريضة فقط، ولا تصلي التراويح خلف أوقافي ولا نوري؛ ولو صليتَ في بيتك!".
فأي فقه وأي علم يمكن أن يتحصله هؤلاء إذا كان هذا حال شيوخهم ومربيهم وكبرائهم؟!