شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عبودية المسلم في فصل الصيف

زين العابدين كامل • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -تعالى- جعل مرور الأوقات تذكرة لعباده المؤمنين، وللمؤمن في كل وقت مِن الأوقات عبودية لله، ومن سعادة العبد أن يعرف شرف الزمن وقيمة الوقت، وأن يعرف وظائف المواسم حتى يعمرها بطاعة الله -تعالى-.

والمسلم دائمًا يهتم بواجب الوقت الذي هو فيه، ويغتنم الفرص في كل زمان ليحقق عبوديته لله -سبحانه- التي خُلق من أجلها، وزمن الصيف له واجباته التي يجب على المسلم أن يحافظ عليها؛ لاسيما وقد أصبح الصيف وقتًا للراحة واللعب!

فيا أيها المسلم... اجعل ذلك بقدر الاحتياج، أي بقدر الملح على الطعام، واحفظ وقتك من الضياع!

قال ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الفوائد: "السَّنة شجرة، والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كَانَت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها"، وقال: "واعلم أن إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها".

وقد أقسم الله بالوقت في القرآن الكريم في مواضع متعددة: قال الله -تعالى-: ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) (الليل:1) ، وقال: ( وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) (الفجر:1-2) ، وقال: ( وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) (الضحى:1-2) ، وقال: ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) (العصر:1-2) .

فهذه الآيات تدل على عظمة الوقت؛ فلا تقلل مِن شأنه، واغتنمه في طاعة مولاك، عن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "أخوف ما أخاف عليكم: اتباع الهوى، وطول الأمل؛ فاتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة"، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنه نظر إلى المقبرة يومًا، ثم نزل فصلى ركعتين فسئل: هذا شيء لم تكن تصنعه؟ فقال: "ذكرتُ أهل القبور، وما حيل بينهم وبينه فأردت أن أتقرب إلى الله بهما".

ثم إياك أن تتوسع في المباحات، وهذا -للأسف- أصبح مِن خصائص "فصل الصيف" عند كثير من الناس! وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكره كثيرًا من الإرفاه -الرفاهية-، وكان يحتفي أحيانًا، يعني: كان يمشي حافيًا أحيانًا، فعن عبد الله بن بريدة: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟! قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الإِرْفَاهِ"، قَالَ: فَمَا لِي لا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟! قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا" (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

وهذه الأمور مآلها إلى الزهد، والزهد من علامات الإيمان؛ وذلك حتى لا نتعود عليها، وقد قيل لأحد السلف: "هل يجوز أن أوسع لنفسي في المباح؟" قال: "عند نفسك مِن الغفلة ما يكفيها".

والمباح هو الذي لا حرج على فاعله، فهو ليس مِن المكروهات، ولا من المحرمات، لكن الآفة في التوسع والاستكثار؛ فليكن تناول المباح بقدر، فأكل الطيبات مِن المباح، ومع ذلك قال الله -تعالى-: ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) (طه:81) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

ثم لابد أن نتعظ، وأن نأخذ العبرة من حر الصيف ونتذكر به الآخرة، وعطش الصيف يذكرنا بعطش يوم القيامة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ) (متفق عليه) ، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ, فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ )، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً! قَالَ: ( فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ) (متفق عليه) .

بل لابد أن نأخذ العبرة مِن العرق الذي نشعر به في الصيف، وأنه يذكرنا بعرق يوم القيامة، قال بعض السلف: "ما رأى العارفون شيئًا مِن الدنيا إلا تذكروا ما وعد الله به من جنسه في الآخرة مِن كل خير وعافية".

الصفحة التالية