تلخيص ميسر لأحكام الصيام في رمضان (1-2)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • بحوث شرعية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان صفوة الخلق في هذه الأمة مِن الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وتابعيهم بإحسان، يهتمون بشهر الصيام والقرآن "شهر رمضان" أعظم اهتمام، ويفرحون به غاية الفرح، وكانوا يستعدون لاستقباله على أتم ما يكون، وهم في غاية الشوق إليه!
- قال معلى بن الفضل -رحمه الله-: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم".
- وقال يحيى بن أبي كثير -رحمه الله-: "كان مِن دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلِّم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً".
وكيف لا يفرحون بشهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، وتضاعف فيه الحسنات، وتغفر الخطايا والسيئات؟!
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ) (رواه مسلم) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لَمَّا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِر ) (رواه مسلم) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .
( إِيمَانًا ): تصديقا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وخبره. ( وَاحْتِسَابًا ): طلبا للأجر والثواب من الله -تعالى-.
وقال الخطابي -رحمه الله-: "قوله: ( إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ): أي: نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق به، والرغبة في ثوابه، طيبة نفسه غير كارهة له، ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب".
وكيف لا يفرحون بشهر العتق من النيران؟!
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
ولكن مع فرح المسلمين برمضان وسعادتهم بهذا الضيف الكريم واستعدادهم لاستقباله؛ إلا أن كثيرا منهم -للأسف الشديد- لا يعتني بأحكام الصيام، ولا يحسن فقه هذه العبادة، بل هذا الركن من أركان الإسلام "رغم أنه فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ -ويصح من المميز- مقيم قادر، ويزداد في حق المرأة أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس" - ولهذا كانت هذه الكلمات المختصرة في بعض ما يتعلق بأحكام الصيام في شهر رمضان، وذلك مِن خلال إطلالة سريعة على آيات الصيام في سورة البقرة، وعامة هذه الأحكام -إلا النزْر اليسير، وسيتم التنبيه عليه- مستفاد من شروحات شيخنا الكريم د."ياسر برهامي" -حفظه الله- وسلاسله العلمية وفتاواه.
- "رمضان": مشتق من الرَّمَض، وهو شدة الحر؛ لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور، وافق أن الشهر المذكور شديد الحر، وقيل: لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وهذا ضعيف؛ لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع الذي عُرف منه أنه يرمض الذنوب، ولا يصح قول مَن قال بأن "رمضان" مِن أسماء الله -تعالى-؛ لأنه لم يرد في كتاب الله -تعالى- أو سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رمضان مِن أسماء الله الحسنى.
- وقد فُرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي -صلى الله عليه وسلم- تسع رمضانات.
- قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة:183-186) .
- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ): خطاب محبب مِن الله -تعالى- لأهل الإيمان، فيه الحث لهم على الامتثال والانقياد؛ لأن الصيام مِن الإيمان والعمل الصالح الذي يسارع فيه مَن اتصف بالإيمان وكان مِن أهله.
- ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ): أي فُرض عليكم.
- والصيام لغة هو: الإمساك، ويُستعمل في كل إمساك.
- ويعرَّف شرعًا بأنه: إمساك عن المفطرات مِن طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله -تعالى-، ويلزم التحري في توقيت الفجر والغروب.
ويتبين مِن التعريف السابق أن للصيام ركنين:
الركن الأول: "الإمساك عن المفطرات مِن طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس":