شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تلخيص ميسر لأحكام الصيام في رمضان (1-2)

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • بحوث شرعية

أجمع أهل العلم على أن مَن فعل شيئًا من هذه المفطرات ذاكرًا مختارًا؛ فقد بطل صومه، والخلاف في الاستمناء وإنزال المني بغير الجماع خلاف شاذ غير معتبر، فالصحيح أن تعمد إنزال المني مبطل للصيام وعليه القضاء؛ لأنه لم يترك شهوته لله -عز وجل-؛ يقول الله -تعالى- كما في الحديث القدسي: ( الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ، وَأَكْلَهُ، وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي ) (متفق عليه) ، ولا تجب الكفارة عند جمهور أهل العلم إلا بالجماع، والرواية التي فيها عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا" (رواه مسلم) ، هي في الحقيقة قصة واحدة ومخرجها متحد؛ فحمل الجمهور قوله: "أَفْطَرَ" على المقيد بأنه أفطر بجماع أهله (انظر فتح الباري، والجامع لأحكام الصيام للشيخ أحمد حطيبة، ويرى فضيلة شيخنا د.ياسر برهامي في هذه المسألة: وجوب القضاء والكفارة على مَن أفطر متعمدًا -عدا مَن تقيأ عمدًا؛ لأنه لا شهوة في ذلك فعليه القضاء فقط- وهو مذهب مالك وأبي حنيفة -رحمهما الله-)، وأما مَن أُكره على شيء مِن هذه المفطرات أو أكل أو شرب ناسيًا؛ فلا يبطل صومه على الصحيح مِن أقوال العلماء.

وأما الركن الثاني وهو النية:

- فلابد مِن تبييت النية مِن الليل لكل صوم مفروض: "كرمضان، والنذر، والقضاء، والكفارات"؛ وهذا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصوم الواجب: ( مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلا صِيَامَ لَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، بخلاف صوم التطوع فيجوز أن يصبح صائمًا ولو بعد الفجر أو الزوال ما لم يطعم أو يشرب.

- وكذلك لابد مِن تبييت النية لكل ليلة مِن ليالي رمضان -على الصحيح-، ولا تكفي نية واحدة للشهر كله؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة.

- وهذه النية لابد أن تكون على علم بدخول الشهر، وعلى سبيل الجزم بعد العلم لا أن تكون على سبيل التردد أو الاحتياط كمن يقول: "إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم؛ وإلا كنتُ مفطرًا"؛ فهذا لا يصح.

- والسحور نية، ومَن قام ليشرب قبل أذان الفجر الصادق فقد نوى، ومَن نوى الإمساك عن المفطرات فقد نوى.

- ولا يجوز صيام يوم الشك -وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ هلال رمضان- على سبيل الاحتياط لرمضان أو الاستقبال له؛ لحديث عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- قال: ( مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ) (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني) ، وحديث: ( لا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالاً، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) ، إلا أن يوافق يوم الشك صومًا كان يصومه الإنسان ويعتاده؛ فيجوز له صيامه؛ لحديث: ( لا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ، وَلا يَوْمَيْنِ إِلا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

- ويثبت دخول شهر رمضان: بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، أو برؤية الهلال؛ وهذا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ ) (رواه البخاري ومسلم) . ( غُبِّيَ عَلَيْكُمْ ): مِن الغباوة وهي عدم الفطنة، وهو استعارة لخفاء الهلال.

فدل ذلك على أنه لا يُعمل ولا يعتد بالحساب المجرد دون رؤية بصرية؛ فإن رؤية الهلال التي علَّق النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكم عليها أخص مِن وجوده، فهو لم يقل -صلى الله عليه وسلم-: "صوموا لوجود الهلال أو ثبوته"، وإنما قال: ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ )، وإن كان لا بأس مِن النظر في الحساب مع ذلك؛ فإن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا ). يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ. (متفق عليه) ، لا يفيد تحريم العمل بالحساب أو تعلمه؛ فإن الحِسَاب إن كان قطعيًّا متواترًا واتفق الحسَّاب عليه أفاد في نفي وجود الهلال وتخطئة الشهود لا في إثبات دخول الشهر؛ حيث يُحكم بدخول الشهر -وفق الشرع- بإكمال العدة ثلاثين يومًا أو برؤية الهلال بطريق الحس والمشاهدة بالعين الباصرة؛ إذ العلة في وجوب الصوم هي المشاهدة ورؤية الهلال بصريًّا، وليس مجرد وجوده علميًّا في السماء مِن غير رؤية حسية بالعين.

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ): هذه أمية مخصوصة فيما يتعلق بأمر العبادات والتكاليف الشرعية، أنها مِن سماحتها ويسرها لا تتوقف على حساب أو كتاب.

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في شرحه على صحيح البخاري: "فتبين أن ديننا لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، كما يفعله أهل الكتاب مِن ضبط عباداتهم بمسير الشمس وحسباناتها، وأن ديننا في ميقات الصيام معلق بما يُرى بالبصر -وهو رؤية الهلال-، فإن غم أكملنا عدة الشهر ولم نحتج إلى حساب، وإنما علق بالشمس مقدار النهار الذي يجب الصيام فيه، وهو متعلق بأمر مشاهد بالبصر -أيضًا-، فأوله طلوع الفجر الثاني، وهو مبدأ ظهور الشمس على وجه الأرض، وآخره غروب الشمس، كما علق بمسير الشمس أوقات الصلاة، فصلاة الفجر أول وقتها طلوع هذا الفجر، وآخره طلوع الشمس، وأول وقت الظهر زوال الشمس، وآخره مصير ظل كل شيء مثله، وهو أول وقت العصر، وآخره اصفرار الشمس أو غروبها، وهو أول وقت المغرب، وآخره غروب الشفق، وهو أول وقت العشاء، وآخره نصف الليل أو ثلثه، ويمتد وقت أهل الأعذار إلى طلوع الفجر، فهذا كله غير محتاج إلى حسابٍ ولا كتاب".

الصفحة السابقة الصفحة التالية