شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تلخيص ميسر لأحكام الصيام في رمضان (1-2)

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • بحوث شرعية

( أَوْ عَلَى سَفَرٍ ): أي السفر الذي تقصر في مثله الصلاة، شريطة أن يكون سفر طاعة أو سفرًا مباحًا، وليس سفر معصية كمن يسافر إلى أماكن المعاصي في رمضان؛ فيشاهد المنكرات والمحرمات، ومشاهد التبرج والانفلات؛ فمثل هذا السفر غير مأذون فيه، فلا يجوز لصاحبه أن يترخص فيه برخص السفر مِن: القَصْر، والفِطْر، والمسح على الخفين، ونحو ذلك.

- ومتى نوى المسافر الإقامة أكثر مِن ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج أو ما يقدر بنحو "21 صلاة" فإنه يكون في حكم المقيم، وذلك مِن أول دخوله البلد التي يقيم فيها، ولا يجوز له الترخص برخص السفر مِن القَصْر، والفطر إلا في الطريق ذهابًا وعودة.

- ولا يجوز لمن عزم على السفر أن يعزم الفطر قبل ذلك ليلاً وأنه يصبح مفطرًا؛ لأنه لا يزال مقيمًا فيلزمه الصوم، والمسافر لا يبدأ أصلاً بالترخص برخص السفر إلا بعد مفارقة عامر قريته؛ لأنه يكون ضاربًا في الأرض فيجوز له الفطر وإن كان يرى البيوت؛ لحديث عبيد بن جبْر -رحمه الله- قال: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ: "أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟!" (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، فلابد أن ينوي أنه يصبح صائمًا، ثم إذا سافر خارج البنيان مِن محلته أو قريته فله أن يفطر.

- وقوله -تعالى-: ( أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) يشمل كل ما سُمي سفرًا عرفًا، وما ورد مِن أحاديث فيها ذكر المسافة؛ فقد وقعتِ اتفاقًا لا نصًّا مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- على اعتبارها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَخْتَصُّ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ؟ أَمْ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ؟ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلاً، كَمَا قَصَرَ أَهْلُ مَكَّةَ خَلْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَفَةَ وَمِنًى، وَبَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ نَحْوَ بَرِيدِ أَرْبَعِ فَرَاسِخَ. وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَخُصَّانِ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ، لَا بِقَصْرٍ وَلَا بِفِطْرِ وَلَا تَيَمُّمٍ، وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَسَافَةَ الْقَصْرِ بِحَدِّ؛ لَا زَمَانِيٍّ وَلَا مَكَانِيٍّ، وَالْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي ذَلِكَ مُتَعَارِضَةٌ، لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ، وَهِيَ مُتَنَاقِضَةٌ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِحَدٍّ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الأَرْضَ لا تُذَرَّعُ بِذَرْعٍ مَضْبُوطٍ فِي عَامَّةِ الأَسْفَارِ، وَحَرَكَةُ الْمُسَافِرِ تَخْتَلِفُ.

وَالْوَاجِبُ أَنْ يُطْلَقَ مَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيُقَيَّدَ مَا قَيَّدَهُ، فَيَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلاةَ فِي كُلِّ سَفَرٍ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ مِنْ الْقَصْرِ وَالصَّلاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَمَنْ قَسَّمَ الأَسْفَارَ إلَى قَصِيرٍ وَطَوِيلٍ، وَخَصَّ بَعْضُ الأَحْكَامِ بِهَذَا وَبَعْضُهَا بِهَذَا، وَجَعَلَهَا مُتَعَلِّقَةً بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ، فَلَيْسَ مَعَهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا. وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ" (الفتاوى الكبرى) . (ويرى فضيلة شيخنا د.ياسر برهامي -حفظه الله- في هذه المسألة: التحديد بالمسافة؛ استدلالاً بحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ -شُعْبَةُ الشَّاكُّ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (رواه مسلم) . والفرسخ: 3 أميال هاشمية. والميل الهاشمي: 3 كيلومترًا. فيكون "ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ": حوالي 9 كيلومترات خارج بلدته. و"ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ": مسافة 27 كيلو مترًا خارج البلد الذي هو فيه.

- وأفضل الأمرين مِن الفطر أو الصيام في السفر هو الأيسر ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ).

- ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ): أي قضاء عدد ما أفطرتم مِن الأيام بعد انقضاء رمضان، وهذا القضاء ليس واجبًا على الفور، بل هو على التراخي -ما دام كان فطرًا مشروعًا- بشرط أن يقع القضاء قبل رمضان الذي يليه؛ وهذا لحديث عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه) ، فإن أخَّر القضاء بغير عذر إلى أن دخل عليه رمضان التالي فقد أساء، وعليه مع القضاء الفدية عند بعض العلماء عن كل يوم أخَّر قضاءه، وإن كان الراجح عدم وجوبها؛ لعدم الدليل، وإن أخرجها احتياطًا كان أفضل لأقوال الصحابة في ذلك. والله تعالى أعلم.

- وعلى ذلك: فيجوز التطوع بالصيام قبل قضاء هذه الأيام لمن أفطرها بعذر "وإن كان الأولى المبادرة بالقضاء وإبراء الذمة"، ويجوز للمرأة أن تبدأ بالست مِن شوال قبل قضاء ما عليها مِن رمضان، ولكن لا يُكتَب لها ثواب أنها صامتْ رمضان ثم أتبعته بستٍ من شوال إلا بعد قضاء رمضان.

وللحديث تتمة... إن شاء الله -تعالى-.

الصفحة السابقة