تلخيص ميسر لأحكام الصيام في رمضان (1-2)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • بحوث شرعية
- ويكفي في ثبوت هلال رمضان بالرؤية البصرية: شهادة عدل واحد مِن المسلمين -على الراجح-، وهو قول جمهور أهل العلم كما هو ظاهر حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلالَ، فَرَأَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . "وعند جماعة مِن العلماء يلزم شهادة عدلين من المسلمين كسائر الشهور، وهو آخِر ترجيح شيخنا الكريم د.ياسر برهامي؛ لحديث: ( فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) ".
- والعبرة في الصوم بحال البلد الذي فيه الإنسان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمُ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَةُ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ ) ( أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني ) ، ولم يكن الصحابة -رضي الله عنهم- يتكلفون في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا بعده أن يبنوا عملهم على عمل أهل البلاد الأخرى، بل قد علموا في أثناء الشهر أن البلاد اختلفت في رؤية الهلال، ومع ذلك عمِل كل أهل بلد برؤيتهم، فعن كريب -رحمه الله-: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: "لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: "لا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم) .
فهذا تطبيق عملي من الصحابة -رضي الله عنهم- لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ ) يدل على أن أهل كل بلد لهم رؤيتهم الخاصة بهم، وقد ذكر الترمذي -رحمه الله- بعد روايته لهذا الحديث في سننه أن العمل على هذا عند أهل العلم، فقال -رحمه الله-: "حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ".
- فمن سافر إلى بلد ما أو لعمرة أو غيرها فإنه يصوم مع أهل البلد الذي هو فيه، ويفطر معهم، وكذلك إذا عاد إلى بلده فيصوم ويفطر معهم؛ للحديث السابق: ( الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ ).
- ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ): أي في جملة أحكام الصيام، وإن كانت بعض الصفات مختلفة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ ) (رواه مسلم) ، لكنهم بدَّلوا وغيروا حتى صار صومهم مجرد امتناع عن بعض الأطعمة دون بعض مع كونهم يأكلون ويشربون ويعاشرون النساء مع زعمهم أنهم صائمون!
ولا يلزم مِن الآية الكريمة أن يكون "رمضان" قد افترض عليهم، بل الظاهر أنه مِن خصائص أمة الإسلام؛ فإنه لم يذكر في كتب اليهود والنصارى، ولم يشتهر عنهم كما اشتهر صوم عاشوراء عن اليهود. والله أعلم.
- ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ): فالتقوى هي الغاية التي خلق الله الخلق مِن أجلها، فكما خلق الله الناس ليعبدوه: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، فقد خلقهم كذلك ليتقوه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:21) ، والتقوى كما قال طلق بن حبيب -رحمه الله-: "أن تعبد الله على نور مِن الله ترجو ثواب الله, وأن تجتنب معصية الله على نور مِن الله تخشى عقاب الله".
- ( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ): قد مرَّ فرض الصيام في الإسلام بمراحل، حيث كان الصوم المفروض في أول الإسلام صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر مع يوم عاشوراء، وكان الإنسان مخيرًا بيْن الصيام وبين الفدية، فهذه هي الأيام المعدودات -خلافا لمن ظن أنها رمضان-، ثم نسخ بفرض صوم رمضان وجوب صوم الأيام الثلاثة من كل شهر وصوم يوم عاشوراء، وبقي استحباب صيام هذه الأيام من كل شهر، مع استحباب صوم عاشوراء، كما نسخ جواز التخيير بين الصيام والفدية لعموم الناس، وبقيت الرخصة لمن شق عليه الصيام مشقة شديدة: "كالشيخ الكبير - والمرأة العجوز - والحامل - والمرضع".
وكان يحرم على الصائم الأكل والشرب والجماع مِن حين النوم بعد المغرب أو العشاء الآخرة؛ فأي ذلك وقع منه أولاً مِن النوم أو وقت العشاء الآخرة حصل به التحريم، ثم نسخ ذلك، وأبيح الجميع إلى طلوع الفجر سواء نام الإنسان أم لا؛ فضلاً ورحمة من الله -تعالى-.
- ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ): المقصود بالمرض: المرض الذي يشق معه الصيام أو يزيد بالصيام أو يتأخر معه الشفاء، فمن كان كذلك جاز له الفطر، فالصحيح أن العبرة بما ذكرنا، وليس أن أي مرض يجوز معه الفطر كما قال به بعض العلماء؛ لأن الإنسان لا يكاد يخلو مِن مرض.